منتديات أنا شيعـي العالمية

منتديات أنا شيعـي العالمية (https://www.shiaali.net/vb/index.php)
-   منتدى القرآن الكريم (https://www.shiaali.net/vb/forumdisplay.php?f=196)
-   -   وبشّر الصابرين” (https://www.shiaali.net/vb/showthread.php?t=213959)

صدى المهدي 18-03-2026 12:11 PM

وبشّر الصابرين”
 
https://www.shiaali.net/vb/filedata/...0121&type=fullhttps://www.shiaali.net/vb/data:imag...EAAAICRAEAOw==
حين نقبل على تلاوة آيات كتاب الله الحكيم في هذا الشهر الكريم، تتجلّى لنا مع التلاوة آيات الخلق والتدبير، وحين نتدبر ما نتلوه تدخل المعاني في صميم القلوب وتحرك الوجدان، وتُشعر الإنسان بذلك الاطمئنان الروحي الذي لا يمكن تحصيله إلا بالقناعة والرضا بما شاء الرحمن، فنحن في كل لحظة من لحظات حياتنا نردد من حيث لا نشعر: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن…
ومع تلاوة هذه الآية من سورة البقرة، وفي ظروف يعيشها المسلمون تحت نير العدوان الكاسر لطغاة الأرض وجلاوزتها ومفسديها وفراعنتها، حيث تنهال حمم الموت على رؤوس الآمنين في كل مكان، وحيث يحاط بالمؤمنين من كل صوبٍ فيشعرون بأن الأرض قد ضاقت عليهم بما رحبت، ويرددون دعاء الفرج بحرقة زائدة ودموع راجية: “إلهي عظم البلاء وبرح الخفاء وانكشف الغطاء وضاقت الأرض بما وسعت السماء، وإليك يا رب المشتكى وعليك المعول في الشدة والرخاء… ”
مع هذه التلاوة الخاشعة في شهر الله الأعظم، الذي تخيّره الظالمون ليشنّوا على أهل الإيمان حربهم الشعواء، عساهم يقتنصون منهم فرص الصيام والصلاة والدعاء، يجد المؤمنون أنفسهم يعيشون معاني كربلاء، ويعانون من الضيق والبلاء ما تضيق به الأنحاء.
لكن قلب المؤمن يتسع مع الضيق، ويشتد مع المحن، ويزداد وثوقًا بربه وعدله وحكمته مع كل تحدٍّ يواجهه، فالمعلوم أن التحدّيات تصقل المواهب الدفينة وتستخرجها من مكامنها، فكيف إن كانت تلك المواهب هي تلك الهبة العظمى التي ائتمننا عليها الباري منذ عالم الذر، وامتحننا بها وجعلها في صميم علاقتنا به، ألا وهي نعمة الولاية والتمسك بحبل الله الأعظم، وصراطه الأقوم، التي أتمّ لنا بها الدين وأكمل النعمة، حتى غدونا بها الفئة الناجية دون سائر الفئات؟!
لسنا في معرض تفسير الآيات، فللتفسير والتأويل أهله، لكننا في معرض استقراء ما تبثه في نفوسنا من ثناء، وإن الله لم يكلّف قارئ القرآن الذي لم يختص بعلومه إلا بالتدبر، لكي لا تصدأ القلوب وتضلّ الأحلام، من هنا فإن هذه الآية بما تحمله لنا من لطائف، ترفع عن القلب الواهن بعض همه المتراكم، حين نغوص في بنية الألفاظ والمعاني، لنستشف منها بلسمًا يرفع عنا بعض ما نعاني، في هذا الزمن الصعب الذي يقبض فيه المؤمن على دينه كما يقبض على الجمر، لكنه يبقى على إيمانه رغم كل أمر.
هو اعتداء المجرم على البريء، معضلة من معاضل التاريخ لم يتوقف الإنسان عن مواجهتها والتصدي لها منذ كان الأنبياء والأولياء، ومنذ سوّلت لقابيل نفسه بقتل أخيه، فافتتح بجريمته الشنعاء عهد الظلم والتيه، ومع أنه وارى جثته تحت التراب كما الغراب، إلا أنه لم يستطع أن يواري جريمته التي طأطأ بها رأس الإنسان للشيطان، وتوالت بعده وعلى خطاه جرائم القوابيل، وقد راحت تزداد عنفًا وشيطنة، فبعد أن كان الحق والباطل ظاهران باهران لا لبس فيهما على أحد، غدا المبطلون متخصصين في فن العصيان، وصارت لهم فلسفات وألوان، ودخل إبليس ساحة الحق بزي الإيمان، واشتدت الفتن ما ظهر منها وما بطن، حتى استساغ الإنسان في سبيل أهوائه كل ممجوج، واستحلّ كل حرام، فسقطت في بؤر الفساد النفوس، وصار من أصعب الأمور أن يشخّص الإنسان الطريق الصحيح، اللهم إلا من استلهم الحق من منابعه، واخترق بنور فكره مدلهمات الأضاليل، فعرف السبيل بعد السبيل، واستضاء بهدى آل محمد وقد أدرك ما قاله النبي حين حدّد: “لولا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي!”
ولكن، أين ما تعنيه هذه الآية وما تمليه وتعطيه مما نحن فيه؟
أين صور البلاء المتجلية في ثناياها مما ندور حوله ونحاول فهمه من ظواهر التاريخ الإنساني القاتمة الدامية؟
وهل أن الله يعذب المؤمنين بأيدي الظالمين؟
وهل نحن مصداق للآية الكريمة: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾؟
كلا، فالآية الأخيرة أريد بها أن يشخص الإنسان طريقه، وأن لا يقرأ في ما يواجهه من أباطيل البشر ما يعميه عن الحقيقة، فالفتنة التي يحاول البعض بها تعمية الحقائق عن الآخرين، أو ما ندعوه بلغة العصر بالتعتيم الإعلامي، ليست عذابًا من الله، بل هي مواقف يصطنعها الضالون ليُضِلوا، أما الابتلاء الإلهي فهو السؤال الأساس في الامتحان: هل تستطيع أيها الإنسان أن تميّز سفينة النجاة في خضم هذا الطوفان؟
وهل يمكنك رغم ما يكتنف محيطك من ضباب أن ترى نجمك الهادي؟ وهل تضعفك الشدائد وتهزمك المصائب فتنكسر؟ أم تزيدك البلاءات صبرًا والصعوبات إيمانا؟
يأتي الجواب في الآية الكريمة بعد الطرح الابتلائي مباشرة:
ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات وبشّر الصابرين…
إن الآية تطرح المشكلة والحل: البلاء هو شيء من الخوف (نقص الأمان) والجوع (نقص الغذاء) ونقص الأموال والأنفس والثمرات (الأرزاق)… إنه النقص في نعم الله التي يتمتع بها الإنسان بشكلٍ طبيعي فلا يشعر بقيمتها أحيانا، ويتآلف مع وجودها حتى تصبح عنده من الأمور البسيطة التي لا يطلبها ولا يفتقدها، مع أنها أهم ما يقوم عليه أوده وترتكز عليه حياته، لكن الإنسان بطبعه ينسى ويغفل، إلا من كان من الشاكرين…
ومع هذا النقص يأتي القلق الوجودي الذي يعانيه الإنسان، فهل يصمد أمامه؟
إن الآية لا تعالج سبب هذا النقص، فقد يكون من الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير وغيرها، وقد يكون من الكوارث البشرية كالحروب والأزمات…
حين يتعرض الإنسان لهذا النقص يكون الابتلاء هو كيفية تعامله معه، بغض النظر عن أسبابه، وهنا تبرز أهمية الجواب المطروح: وبشر الصابرين…
هو الصبر، مفتاح النجاة وعنوان النجاح في الملمات، فهو ليس استسلامًا للأمر الواقع، بقدر ما هو قبول ورضا بالقضاء، وعزم على مواجهة الأزمة والخروج منها برأس مرفوع لا يخضع إلا لبارئه، ونفسٍ زكية لا تدنسها جيف الشهوات…
وإن من نعم الله على الإنسان أن يعلم أن الشكر في الضراء وحين البلاء ألزم من الشكر في السراء، لأنه مقرون بالصبر والاحتمال، والقدرة على مواصلة الطريق رغم كل ما يحمله البلاء من أهوال.
﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾ (سورة البقرة، الآية 153)
*وكالة كربلاء الان





الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 03:45 PM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026