منتديات أنا شيعـي العالمية

منتديات أنا شيعـي العالمية (https://www.shiaali.net/vb/index.php)
-   منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام (https://www.shiaali.net/vb/forumdisplay.php?f=189)
-   -   «مَنْ حَاوَل أَمْرًا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ (https://www.shiaali.net/vb/showthread.php?t=214059)

صدى المهدي 06-05-2026 07:57 AM

«مَنْ حَاوَل أَمْرًا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ
 

حكمة بليغة عن الإمام الحسين بن علي عليهما السلام
«مَنْ حَاوَل أَمْرًا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو وَأَسْرَعَ لِمَجِيءِ مَا يَحْذَرُ»



هذا الحديث الشريف الوارد في الكافي ينقل لنا حكمة بليغة عن الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، حين كتب إليه رجل يطلب موعظة مختصرة، فقال:

«مَنْ حَاوَل أَمْرًا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ كَانَ أَفْوَتَ لِمَا يَرْجُو وَأَسْرَعَ لِمَجِيءِ مَا يَحْذَرُ»[1].

هذه الكلمات القليلة تختصر مسارًا كاملًا من التجربة الإنسانية، وتكشف قانونًا إلهيًا دقيقًا يحكم حركة الحياة، وهو أن الطريق إلى الغايات لا ينفصل عن طبيعة الوسائل، فمن سلك طريق المعصية للوصول إلى هدفٍ ما، فإنه في الحقيقة يهدم ذلك الهدف بيده، ويستدعي لنفسه ما كان يخشاه.

إن الإنسان بطبيعته يسعى، ويحاكي الأمور، ويطارد الأهداف، سواء كانت مادية كالرزق والمال، أو معنوية كالجاه والراحة والقبول بين الناس، وهذا السعي قد يكون مشروعًا إذا التزم فيه الإنسان حدود الله، وقد ينحرف حين يختار وسائل محرمة ظنًا منه أنها أقصر الطرق وأسرعها. وهنا يأتي هذا الحديث ليصحح هذا الوهم، ويؤكد أن المعصية لا تختصر الطريق، بل تقطعه من أساسه.

فالإمام الحسين عليه السلام يلفت نظرنا إلى أن من "حاول أمرًا" أي سعى بإصرار وحرص، لكنه جعل وسيلته معصية الله، فإن النتيجة تكون عكس ما يتوقع؛ إذ "كان أفوت لما يرجو"، أي أن الشيء الذي يرجوه يفوته، فلا يناله أو لا يناله على الوجه الذي يريده، بل ربما يتحول إلى نقمة عليه، ثم يضيف "وأسرع لمجيء ما يحذر"، أي أن المخاوف التي كان يخشى وقوعها، كالعقوبة أو الفضيحة أو الخسارة، فإنها تأتيه بسرعة أكبر، وكأن المعصية تعجل نزول البلاء.

وهذا المعنى ليس مجرد توجيه أخلاقي، بل هو سنة إلهية أكدها القرآن الكريم في مواضع عديدة، منها قوله تعالى:

﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[2]، حيث يربط الله بين التقوى والفرج والرزق، في مقابل ذلك يفهم أن من ترك التقوى وسلك طريق المعصية، فإنه يحرم نفسه من هذا الفتح الإلهي، ويضيق عليه ما كان يظنه متسعًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾[3]، وهو تعبير واضح عن أن الوسائل الفاسدة ترتد على أصحابها، وأن من بنى طريقه على الحرام، فإن هذا الحرام يعود عليه بالهدم.

ولو تأملنا في واقع الناس، لوجدنا أن هذا الحديث يتكرر صدقه في كل يوم، فكم من إنسان أراد المال فسلك طريق الغش أو الربا أو الظلم، فحصل على مال ظاهري، لكنه خسر الطمأنينة، وأصيب بالقلق، وربما ذهب ماله فجأة أو وقع في أزمات لم يكن يتوقعها، وكأن هذا المال لم يحمل معه بركة، بل حمل بذور زواله. وفي المقابل نجد من التزم بالحلال وصبر على ضيق العيش، ثم فتح الله له أبوابًا لم يكن يتخيلها، لأن الطريق كان مستقيمًا، فكانت النتيجة مستقيمة.

وكذلك في العلاقات، قد يلجأ البعض إلى الكذب أو الخداع ليكسب ثقة الآخرين أو محبتهم، لكنه في الحقيقة يؤسس لانهيار هذه العلاقة، لأن الثقة إذا بُنيت على باطل، فإنها لا تثبت، وسرعان ما ينكشف الأمر، فيخسر الإنسان ما كان يرجوه من القبول، ويقع في ما كان يخشاه من الفضيحة أو الرفض. وهنا يتجلى بوضوح معنى "أفوت لما يرجو وأسرع لمجيء ما يحذر".

إن السر في ذلك أن الله سبحانه جعل للكون نظامًا أخلاقيًا كما جعل له نظامًا ماديًا، فكما أن من يخالف القوانين الطبيعية يتضرر، فإن من يخالف القوانين الإلهية في السلوك، يتضرر كذلك، وإن لم يظهر ذلك فورًا. فالمعصية قد تعطي نتيجة سريعة ظاهرًا، لكنها تسلب البركة، وتزرع القلق، وتفتح أبوابًا من المشكلات، بينما الطاعة قد تبدو أبطأ، لكنها تبني نتيجة متماسكة، يرافقها السكون الداخلي والاطمئنان.

ومن هنا نفهم أن المشكلة ليست في رغبة الإنسان في تحقيق أهدافه، بل في الطريقة التي يختارها، فالإسلام لا يمنع السعي، بل يوجهه، ولا يرفض الطموح، بل ينقيه من الوسائل الفاسدة. فليس كل ما يوصل إلى الهدف جائزًا، بل لا بد أن يكون الطريق بقدر الهدف في الطهارة والاستقامة، لأن الطريق جزء من النتيجة، وليس مجرد وسيلة منفصلة عنها.

وقد يقع الإنسان في هذا الخطأ بسبب استعجاله، فهو يريد أن يصل بسرعة، فيظن أن المعصية تختصر الطريق، أو بسبب ضعف ثقته بالله، فيظن أن الحلال لا يكفي، أو لأنه يرى من حوله يحققون مكاسب ظاهرية بطرق محرمة، فيغتر بالمشهد الخارجي دون أن يرى العواقب الخفية. لكن هذا الحديث يعيد ترتيب الرؤية، ويكشف أن النجاح الحقيقي ليس فيما يظهر أولًا، بل فيما يستقر ويثبت في النهاية.

إن من أعظم ما يرشد إليه هذا الحديث هو أن الإنسان ينبغي أن يراقب الوسيلة قبل النتيجة، وأن يسأل نفسه دائمًا: هل هذا الطريق يرضي الله أم لا؟ فإن كان فيه معصية، فليعلم أنه مهما بدا مغريًا، فهو طريق خاسر، وإن كان فيه طاعة، فليطمئن أن نهايته خير، حتى لو تأخرت الثمار. وهذا ما يجعل المؤمن يعيش حالة من التوازن، فلا يندفع وراء المكاسب السريعة، ولا ييأس من الطرق المشروعة.

وفي ضوء ذلك، يصبح هذا الحديث قاعدة عملية في الحياة اليومية، في العمل، وفي العلاقات، وفي اتخاذ القرارات، فهو ليس مجرد موعظة تُقرأ، بل ميزان يُستخدم، يزن به الإنسان خطواته قبل أن يقدم عليها. فإذا همّ بأمر، نظر: هل فيه معصية أم طاعة؟ فإن كان فيه معصية، تركه، لأنه يعلم أنه سيخسر ما يريد، ويجلب لنفسه ما يكره.

وفي الختام، يمكن القول إن هذه الكلمات الموجزة من الإمام الحسين عليه السلام تحمل رؤية عميقة لطبيعة النجاح والفشل في الحياة، فهي تؤكد أن الغاية لا تبرر الوسيلة، وأن الطريق إلى الله هو الطريق الوحيد الذي يضمن للإنسان أن يصل إلى ما يريد بأمان. فكل سعي يبدأ بمعصية، ينتهي بخسارة، وكل سعي يبدأ بطاعة، ينتهي ببركة، وهذه هي الحقيقة التي تتكرر في حياة الأفراد والمجتمعات، مهما اختلفت الأزمنة والظروف.


الهوامش:


[1] ـ الكافي ج 2, ص 373.

[2] ـ سورة الطلاق, الاية 2ـ3.

[3] ـ سورة فاطر, الاية 43.


: الشيخ ميثم شعلان طراد الصريفي​


الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 01:39 PM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026