العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام

منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام المنتدى مخصص بسيرة أهل البيت عليهم السلام وصحابتهم الطيبين

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 1,903
بمعدل : 0.49 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
افتراضي الرؤية النقدية للواقع الاجتماعي في نهج البلاغة
قديم بتاريخ : يوم أمس الساعة : 12:28 PM





دراسة تحليلية في كلمات الامام علي (عليه السلام)




(مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عَلَیْهِ السَّلَامُ: أَیُّهَا النَّاسُ! إِنَّا قَدْ أَصْبَحْنَا فِی دَهْرٍ عَنُودٍ، وَ زَمَنٍ كنود، یُعَدُّ فِیهِ الْمُحْسِنُ مُسِیئاً، وَ یَزْدَادُ الظَّالِمُ فِیهِ عُتُوّاً، لَا نَنْتَفِعُ بِمَا عَلِمْنَا، وَ لَا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، وَ لَا نَتَخَوَّفُ قَارِعَةً حَتَّی تَحُلَّ بِنَا)[1].
هذه الكلمات البليغة المروية عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام تمثّل نصًّا عميقًا في تشخيص الواقع الأخلاقي والاجتماعي للأمة، وتكشف عن بصيرة نافذة في فهم حركة التاريخ وتحولات المجتمعات. فالإمام في هذه العبارات القليلة يقدّم قراءة حقيقية شاملة لواقعٍ اختلّت فيه الموازين القيمية، وانقلبت فيه المفاهيم، حتى أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً. وهذا النص ليس مجرد وصف لحالة تاريخية عابرة، بل هو تحليل إنساني عام يصلح أن ينطبق على كل زمانٍ يبتعد فيه الإنسان عن القيم الإلهية والمعايير الأخلاقية الصحيحة.

يبدأ الإمام كلامه بقوله: «أيّها الناس؛ إنّا قد أصبحنا في دهرٍ عنود، وزمنٍ كنود». في هذه الجملة تتجلى بلاغة عربية رفيعة، حيث استخدم الإمام كلمتين تحملان دلالات قوية في وصف الزمان. فكلمة «عنود» تشير إلى العناد والشدة والمقاومة للحق، وكأن الزمان نفسه أصبح معانداً لا يستجيب لنداء الفضيلة. أما كلمة «كنود» فهي من الكنود الذي يعني الجحود وكفران النعمة، وهي لفظة وردت في القرآن الكريم في قوله تعالىإِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُود)[2]، أي شديد الجحود للنعم. ومن خلال هذا الوصف المركّب يصوّر الإمام مرحلة تاريخية اتسمت بقسوة الظروف وابتعاد الناس عن روح الشكر والعدل، حتى أصبح المجتمع يعيش حالة من القطيعة مع القيم التي ينبغي أن تحكم سلوكه.
إن وصف الزمان بالعناد والجحود ليس مقصوداً به الزمن بمعناه المادي، بل هو تعبير مجازي عن حالة المجتمع والإنسان في ذلك العصر. فالزمان في الحقيقة انعكاس لأفعال البشر، فإذا انحرفت النفوس وانقلبت القيم بدا وكأن الزمن نفسه قد تمرّد على الفضيلة. وهذه طريقة بلاغية عميقة في النقد الاجتماعي، إذ ينسب الخلل إلى «الدهر» ليشير ضمناً إلى أن الناس هم الذين صنعوا هذا الواقع.

ثم ينتقل الإمام إلى بيان مظاهر هذا الانحراف الأخلاقي فيقول: «يُعدّ فيه المحسن مسيئاً، ويزداد الظالم فيه عتوّاً». وهذه العبارة تحمل تصويراً دقيقاً لانقلاب المعايير الأخلاقية في المجتمع. ففي المجتمعات السليمة يكون المحسن موضع تقدير واحترام، ويُقابل الظالم بالرفض والمحاسبة. أما حين تختل الموازين، فإن الأمور تنقلب رأساً على عقب؛ فيُتَّهم الصالح، ويُضيَّق عليه، بينما يجد الظالم مساحة أوسع للتمادي في طغيانه.
إن هذه الظاهرة تمثل مرحلة خطيرة في حياة أي مجتمع؛ لأنها تعني فقدان البوصلة الأخلاقية. فعندما لا يعود الناس قادرين على التمييز بين الخير والشر، أو عندما يصبح الحق متهماً والباطل مقبولاً، فإن ذلك يمهّد لانتشار الفساد والظلم. ولذلك عبّر الإمام عن هذه الحالة بعبارة «يزداد الظالم فيه عتوّاً»، أي أن الظلم لا يبقى في حدوده بل يتفاقم ويتضخم، لأن البيئة الاجتماعية لم تعد تقاومه كما ينبغي.
ومن الناحية النفسية، فإن الظالم حين يرى المجتمع ساكتاً أو مقلوب المعايير يزداد جرأة في ممارسة ظلمه، بينما يشعر المحسن بالإحباط حين يجد إحسانه محلّ اتهام أو تجاهل. وهكذا تتراجع الفضيلة شيئاً فشيئاً، ويحلّ محلها منطق القوة والمصلحة الضيقة.

بعد ذلك يبيّن الإمام سبباً عميقاً من أسباب هذا الانحراف فيقول: «لا ننتفع بما علمنا، ولا نسأل عمّا جهلنا». وهنا يشير إلى آفتين خطيرتين تضربان أساس النهضة الفكرية والأخلاقية في المجتمع. الأولى هي عدم الانتفاع بالعلم، والثانية هي ترك طلب المعرفة.
فالعلم في الرؤية الإسلامية ليس مجرد معرفة نظرية أو معلومات ذهنية، بل هو نور يهدي الإنسان إلى العمل الصالح. وإذا بقي العلم حبيس الكتب أو الأذهان دون أن يتحول إلى سلوك عملي، فإنه يفقد قيمته الحقيقية. ولذلك نجد في التراث الإسلامي تأكيداً كبيراً على اقتران العلم بالعمل، حتى قيل إن العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل عنه.
أما الآفة الثانية فهي ترك السؤال عما نجهل. فالإنسان بطبيعته محدود المعرفة، ولا يمكنه أن يتعلم إلا إذا امتلك روح السؤال والبحث. ولكن عندما يسيطر على المجتمع الكسل الفكري أو الغرور المعرفي، يتوقف الناس عن السؤال، فيتجمد الفكر وتنتشر الأوهام والخرافات. ومن هنا فإن الجمع بين هاتين الآفتين – ترك العمل بالعلم وترك طلب العلم – يؤدي إلى حالة من الانحدار الحضاري، لأن المجتمع يفقد القدرة على تصحيح أخطائه أو تطوير نفسه.

ثم يختم الإمام كلماته بعبارة تحذيرية عميقة: «ولا نتخوّف قارعة حتى تحلّ بنا». والقارعة في اللغة هي المصيبة الشديدة التي تقرع القلوب لهولها. والمعنى أن الناس يعيشون حالة من الغفلة؛ فهم لا يتنبهون إلى الأخطار إلا بعد وقوعها. وهذه ظاهرة متكررة في حياة الأفراد والمجتمعات، حيث يتجاهل الناس المؤشرات التحذيرية للأزمات حتى تتحول إلى كوارث حقيقية.
إن هذه العبارة تكشف عن بعد استشرافي في فكر الإمام، فهو لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحذر من نتائجه المستقبلية. فالمجتمع الذي ينقلب فيه ميزان القيم، ويعطل فيه العلم، وتسوده الغفلة عن العواقب، لا بد أن يواجه في النهاية أزمات كبيرة تهز استقراره.
ومن زاوية أعمق، يمكن فهم هذه الكلمات باعتبارها دعوة إلى الوعي الحضاري. فالوعي هو الذي يجعل الإنسان قادراً على قراءة الواقع وفهم أسبابه وتوقع نتائجه. أما الغفلة فإنها تجعل الإنسان يعيش اللحظة دون أن يدرك ما تخبئه الأيام. ولذلك كان الإمام علي معروفاً في تراث الفكر الإسلامي بعمق بصيرته ونفاذ رؤيته الاجتماعية والسياسية.

كما يمكن النظر إلى هذا النص بوصفه نموذجاً من النقد الأخلاقي للمجتمع. فالإمام لا يوجه اللوم إلى فئة محددة، بل يخاطب الناس جميعاً بقوله: «أيها الناس». وهذا يدل على أن المسؤولية مشتركة، وأن إصلاح المجتمع لا يمكن أن يتحقق إلا بوعي جماعي يرفض الظلم ويعيد الاعتبار للقيم الإنسانية.
ومن الناحية البلاغية، فإن النص يتميز بكثافة المعنى وقوة التعبير. فالجمل قصيرة لكنها تحمل دلالات واسعة، وتستخدم أسلوب المقابلة بين الأضداد مثل: «المحسن» و«المسيء»، و«العلم» و«الجهل»، و«التحذّر» و«الغفلة». وهذه المقابلات تعطي النص إيقاعاً قوياً وتبرز المفارقة بين ما ينبغي أن يكون وما أصبح عليه الواقع.
كما أن استخدام الألفاظ ذات الجرس القوي مثل «عنود» و«كنود» و«عتوّاً» و«قارعة» يضفي على الكلام طابعاً تحذيرياً يوقظ الوجدان ويثير التفكير. وهذا من خصائص البيان العلوي الذي يجمع بين الفصاحة والعمق الفكري.

وفي ضوء ذلك كله، يمكن القول إن هذه الكلمات تمثل رسالة أخلاقية خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان. فهي تذكّر الإنسان بخطورة انقلاب القيم، وتدعوه إلى أن يجعل العلم طريقاً للعمل، وأن يحافظ على روح السؤال والبحث، وأن يستشعر العواقب قبل وقوع الأزمات.
فالمجتمع الذي يكرّم المحسن ويحاسب الظالم، ويحوّل العلم إلى عمل، ويعيش حالة من اليقظة والوعي، هو المجتمع القادر على تحقيق العدالة والاستقرار. أما المجتمع الذي تنقلب فيه هذه المعايير، فإنه يعرّض نفسه لأزمات متلاحقة قد تهدد بنيانه كله.
وهكذا تكشف هذه الكلمات الموجزة عن عمق الرؤية الإنسانية لدى الإمام علي، إذ استطاع في عبارات قليلة أن يرسم لوحة شاملة لواقع أخلاقي مضطرب، وأن يقدّم في الوقت نفسه دعوة ضمنية إلى إصلاح هذا الواقع بالعلم والوعي والعودة إلى القيم الإلهية التي تحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع توازنه.


الهوامش:----

[1] ـ تمام نهج البلاغة، ج4،ص57.
[2] ـ سورة العاديات، الاية 6.


: الشيخ ميثم الصريفي​- العتبة الحسينية المقدسة


من مواضيع : صدى المهدي 0 الرؤية النقدية للواقع الاجتماعي في نهج البلاغة
0 ما حكم من ترك الصوم تقية؟
0 وبشّر الصابرين”
0 ليلة وداع شهر رمضان: حقيقتها، وآدابها
0 يا شهر الله .. أنا لا أنسى أياديك الفاضلة
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 01:26 AM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية