العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية المنتدى الإجتماعي

المنتدى الإجتماعي المنتدى مخصص للأمور الإجتماعية

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,147
بمعدل : 0.53 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : المنتدى الإجتماعي
افتراضي رحل صاحب الرسالة... وبقيت الرسالة تبحث عن حضورها في سلوك الأجيال
قديم بتاريخ : اليوم الساعة : 08:12 AM







المشهد يستحق التأمل: أب يعمل ثماني ساعات من أجل مستقبل ابنه، ثم يجد أن ابنه قضى ثماني ساعات أخرى يتلقى تشكيل شخصيته من مصادر لا يعرفها الأب؛ فتوفير المال وحده لا يصنع الحصانة الفكرية، وشراء الهاتف لا يعني امتلاك القدرة على توجيه ما يدخل عبره إلى عقل الطفل...
حين يذكر اليتم، تتجه الذاكرة غالباً إلى صورة طفل فقد أباه، وإلى بيت تبدلت فيه ملامح الحياة بعد رحيل رجل كان يشكل سقفاً عاطفياً واجتماعياً للأسرة، فيما يظل هناك نوع آخر من اليتم أكثر هدوءً وأشد امتداداً، يعيش فيه الأب داخل البيت وتتحرك صورته بين أفراد الأسرة، فيما يغيب حضوره عن التفاصيل التي تصنع شخصية الأبناء، فيكبر الطفل وهو يمتلك أباً في عنوان السكن، ويبحث عن الأبوة في أماكن أخرى من الحياة؛ في صديق، أو معلم، أو شخصية رقمية، أو شاشة هاتف، أو شخصية عامة تمنحه شيئاً من الإصغاء والاهتمام الذي افتقده في بيته.
ومن هذه المسافة الإنسانية يمكن أن نقترب من ذكرى استشهاد النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا باعتبارها مناسبة تستعيد حدثاً تاريخياً، وإنما بوصفها لحظة تستدعي سؤالاً عن الإنسان الذي صنعه الرسول، وعن التربية التي جعلت من الأسرة نواة لبناء المجتمع، وعن الأبوة التي تتجاوز الإنفاق إلى الحضور، وتتجاوز السلطة إلى الاحتواء، وتتجاوز إصدار الأوامر إلى صناعة الوعي.
فحين رحل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الدنيا، فقدت الأمة حضوراً تربوياً فريداً؛ حضور رجل كان يصنع الإنسان من تفاصيل حياته اليومية، ويمنح الطفل مكانته، ويصغي إلى مشاعره، ويقترب من عالمه، ويعامل الصغير بوصفه إنساناً له قلب وعقل واحتياجات تستحق العناية، وهذه الصورة النبوية تضع أمام الأسرة المعاصرة مرآة واسعة، لأن أزمة التربية تبدأ غالباً من اللحظة التي يتحول فيها الأب إلى وظيفة اقتصادية داخل البيت، بينما تذهب الوظيفة الأهم، وظيفة صناعة الإنسان، إلى جهات أخرى.


أب حاضر في المكان، غائب في الحكاية

في البيوت العراقية اليوم، يمكن أن نجد أباً يستيقظ قبل الجميع، يذهب إلى عمله، يعود متعباً، يسأل عن الطعام والدراسة، يدفع المصروف، يتابع بعض الاحتياجات، ثم ينتهي يومه أمام الهاتف أو التلفاز، فيما يظل عالم الابن الداخلي مغلقاً أمامه؛ عالم الخوف الأول، والحب الأول، والصدمة الأولى، والصديق الذي أصبح مؤثراً، والمقطع الذي شاهده، والسؤال الذي أخفاه، والقلق الذي لا يعرف كيف يصفه، والحلم الذي يخجل من الحديث عنه.
وهنا تظهر مشكلة عميقة في مفهوم الأبوة؛ فالطفل لا يقيس أباه بعدد الدنانير التي أنفقها عليه، وإنما بما تركه ذلك الأب داخل شخصيته من أمان وثقة وقدرة على مواجهة الحياة، لأن الأشياء التي يشتريها الوالد يمكن أن تنتهي قيمتها مع الزمن، فيما الكلمة التي يقولها في لحظة ضعف، والموقف الذي يقف فيه إلى جانب ابنه، والطريقة التي يستمع بها إلى شكواه، قد تتحول إلى ذاكرة ترافقه حتى آخر العمر.
والطفل الذي لا يجد من يسأله عما يدور في داخله، سيبحث عن السؤال في مكان آخر، والابن الذي يشعر بأن البيت لا يمتلك وقتاً لسماع أفكاره، سيذهب بأفكاره إلى من يملك ذلك الوقت، والمراهق الذي يخشى الحديث مع والده عن خطئه، سيجد شخصاً آخر على شاشة هاتفه يخبره كيف يتعامل مع الخطأ، وربما يقدم له إجابة تحمل معه أثماناً نفسية وفكرية واجتماعية ثقيلة.


القرآن يضع الحوار في قلب التربية

حين نبحث في القرآن الكريم عن صورة تربوية عميقة، نجد مشهد لقمان وابنه من أكثر المشاهد قدرة على ملامسة واقع الأسرة؛ فالنص القرآني لا يقدم لنا قائمة تعليمات جافة، وإنما يقدم حواراً يتأسس على القرب والمحبة والمسؤولية، يقول تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
ثم يستمر الخطاب:
﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾، ثم تأتي الصلاة، والأمر بالمعروف، والصبر، والتواضع، وضبط الصوت والسلوك.
في هذا البناء القرآني، يتقدم الأب إلى ابنه بالكلمة التي تحمل الحنان والمسؤولية معاً: «يا بني»، وهي عبارة تختصر فلسفة تربوية كاملة؛ فالابن يسمع النصيحة من شخص يشعره بالقرب، ويستقبل التوجيه داخل علاقة إنسانية تمنحه الأمان، فتتحول التربية من سلطة فوقية إلى حوار يفتح الطريق أمام الوعي.
والسؤال الذي يستحق أن يطرق أبواب بيوتنا هنا هو: كم مرة جلس الأب العراقي مع ابنه ليحدثه عن الحياة كما فعل لقمان مع ابنه؟ وكم مرة تحدث معه عن الصلاة والصدق والاختيار والصديق والخوف والمستقبل، في جلسة هادئة تمتلك وقتها ومساحتها؟


النبي الذي جعل الرحمة لغة تربوية

في مدرسة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، كانت العلاقة مع الطفل مساحة للرحمة والكرامة والاقتراب، وتورد المصادر التي تجمع الروايات المتعلقة بتربية الأطفال أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال إن تقبيل الطفل سبب للأجر، وإن إدخال السرور إلى قلبه موضع عناية إلهية، كما تورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) التأكيد على شدة المحبة للولد بوصفها سبباً للرحمة.
وأيضاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) معنى تربوياً بالغ الدلالة: «من كان له صبي فليتصابَ له»، كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام) معنى قريب في التعامل مع الطفل بما يناسب عالمه.
إنها فلسفة تربوية تقول للأب بصورة عملية: ادخل عالم طفلك حتى يستطيع طفلك لاحقاً أن يدخل عالمك.


حين تتخلى الأسرة عن صناعة الوعي

المشكلة الكبرى التي تواجه الأسرة اليوم ترتبط بالمساحة التي تركها الفراغ التربوي مفتوحة أمام العالم الرقمي، فقد صار الهاتف جهازاً يحمل إلى غرفة الطفل مئات الشخصيات والأفكار والنماذج والسلوكيات، وصار المؤثر قادراً على مخاطبة المراهق يومياً، فيما قد يحتاج الأب إلى أسابيع حتى يجلس مع ابنه جلسة طويلة.
وهنا تتغير طبيعة المنافسة التربوية؛ الأب ينافس عالماً كاملاً على دقائق من انتباه ابنه، والأسرة تنافس منصات تمتلك خوارزميات مصممة لجذب العين، وصناعة الفضول، وتكرار المحتوى الذي يثير الانفعال.
المشهد يستحق التأمل: أب يعمل ثماني ساعات من أجل مستقبل ابنه، ثم يجد أن ابنه قضى ثماني ساعات أخرى يتلقى تشكيل شخصيته من مصادر لا يعرفها الأب.
هذه المفارقة تحتاج إلى مراجعة عميقة لمفهوم الأبوة، لأن توفير المال وحده لا يصنع الحصانة الفكرية، وشراء الهاتف لا يعني امتلاك القدرة على توجيه ما يدخل عبر الهاتف إلى عقل الطفل، وإرسال الابن إلى مدرسة جيدة لا يغني عن حضور الأسرة في تشكيل شخصيته.


الأبوة التي تصنعها الذاكرة

هناك آباء يتركون أبناءهم ومعهم إرث من الأمان، وهناك آباء يتركون في أبنائهم أسئلة مفتوحة عن قيمتهم ومكانتهم وقدرتهم على الحب.
وقد يبدو الأمر بسيطاً في سنوات الطفولة؛ أب يصرخ، أو يسخر، أو يقارن ابنه بغيره، أو يهزأ من فشله، أو يستهين بأسئلته، أو يطلب منه الصمت حين يحاول الحديث، ثم تمضي السنوات ويكبر الابن، وتكبر معه تلك المشاهد الصغيرة التي تحولت داخل ذاكرته إلى تعريف للعلاقة بين الأب والابن.
في المقابل، قد يعيش الطفل موقفاً واحداً يغير حياته؛ أب يضع يده على كتفه بعد فشله، ويقول له إن التجربة تستحق المحاولة مرة أخرى، أو يجلس معه بعد خطأ كبير، ويشرح له كيف يصلح ما أفسده، أو يدافع عن حقه أمام الآخرين، ثم يعلمه في الوقت ذاته تحمل مسؤولية خطئه.
هنا تتحول التربية إلى ذاكرة، والذاكرة إلى شخصية، والشخصية إلى مستقبل.
ولهذا تأتي الرواية التي أوردتها المصادر الشيعية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لتمنح الأب معنى آخر للأبوة؛ فقد ورد: «إن دعاء الوالد لولده كالماء للنبات»، وفي رواية أخرى: «دعاء الوالد لولده كدعاء النبي لأمته».
ما أعمق هذه الصورة حين نضعها أمام أب معاصر؛ فالأب الذي يرفع يديه لابنه لا يصنع له الرزق فقط، وإنما يترك حوله معنى العناية، ويزرع في داخله شعوراً بأن هناك قلباً يتمنى له الخير حتى في اللحظات التي تعجز الكلمات عن التعبير عنها.

من الأبوة إلى صناعة الإنسان

الأسرة في الرؤية الإسلامية تحمل مسؤولية صناعة الإنسان، والقرآن يضع أمام الوالدين مسؤولية واضحة حين يقول تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾.
هذه الوقاية تبدأ من بناء الوعي قبل لحظة الخطر، ومن الحوار قبل الانحراف، ومن الصداقة قبل الخصومة، ومن الحضور قبل أن يصبح الغياب عادة.
والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقدم نموذجاً حياً لهذا المعنى؛ فقد كان قريباً من الأطفال، يحييهم، ويمسح على رؤوسهم، ويحتفي بهم، ويعاملهم بكرامة، كما كانت عنايته بأسرته جزءاً من شخصيته الرسالية، وتورد المصادر عنه: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
وهنا يتحول السؤال من «كيف نستذكر استشهاد النبي؟» إلى سؤال أكثر التصاقاً بالحياة: كيف ندخل مدرسة النبي إلى البيت؟
ربما تبدأ الإجابة من أب يغلق هاتفه حين يتحدث ابنه.
ومن أم تمنح ابنتها وقتاً حقيقياً للاستماع.
ومن أسرة تتعامل مع السؤال الصعب بوصفه فرصة للتربية.
ومن أب يستطيع أن يقول لابنه: أخطأت، حين يخطئ، لأن الطفل الذي يرى والده يعترف بخطئه يتعلم أن الرجولة مسؤولية وشجاعة ومراجعة للنفس.


اليتم الذي قد يرثه جيل عن جيل

أخطر صور اليتم المعنوي أن يتحول إلى إرث عائلي؛ أب تربى على الصمت فيكرر الصمت، وأب عاش الخوف فيربي أبناءه بالخوف، وأب عاش القسوة فيعتقد أن القسوة تصنع الرجال، ثم يكبر الابن حاملاً ما تلقاه، ويأتي يوم يصبح فيه أباً، فيعيد إنتاج التجربة ذاتها داخل بيت جديد.
وهكذا تنتقل بعض الجراح من الأب إلى الابن، ومن الابن إلى الحفيد، حتى يصبح الجرح جزءاً من ثقافة الأسرة.
وهنا يمكن لذكرى استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تفتح باباً آخر في الوعي؛ باب مراجعة الإرث التربوي الذي نحمله، والسؤال عن الأشياء التي نكررها مع أبنائنا لأننا ورثناها، والأشياء التي نختارها بوعي لأنها تتفق مع روح الرسالة.
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء إلى الإنسان ليهذب علاقاته، ويمنحه الكرامة، ويصنع منه شخصية قادرة على حمل المسؤولية، وهذه المهمة تبدأ من المكان الأصغر والأكثر تأثيراً: البيت.


حين يكبر الأبناء... ماذا سيبقى؟

في النهاية، قد ينسى الابن نوع الهاتف الذي اشتراه له أبوه، وقد تتغير ملابسه، وتضيع ألعاب طفولته، وتصبح بعض الهدايا مجرد أشياء قديمة داخل صندوق، فيما تبقى في ذاكرته نبرة صوت أبيه حين كان خائفاً، ويده حين سقط، وجلسته حين أخطأ، وكلمته حين نجح، وطريقته في احترام أمه، وتعاملِه مع الفقير، وموقفه من الضعيف، وقدرته على الاعتذار، وحضوره حين كان الابن يحتاج إليه.
وهنا تكتسب ذكرى استشهاد النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) معنى يتجاوز استعادة الحزن إلى استعادة المسؤولية؛ فقد رحل صاحب الرسالة، وبقيت الرسالة تبحث عن حضورها في سلوك الأجيال، وبقي البيت أول مكان يمكن أن تُختبر فيه قدرتنا على حمل ما تركه لنا النبي من إنسانية ورحمة وتربية.
ربما يحتاج كل أب، في هذه الذكرى، إلى أن يجلس مع ابنه بعيداً عن ضجيج الهاتف والعمل والمواعيد، وأن يسأله سؤالاً واحداً بصدق: كيف ترى أباك؟
ثم يصغي.
فقد تكون إجابة الابن أصدق سيرة يمكن أن يقرأها الأب عن نفسه.
وقد تكون أعظم هدية يقدمها الأب لابنه أن يمنحه شعوراً سيحمله معه طوال عمره: أن له في هذا العالم مكاناً آمناً يعود إليه حين تضيق به الحياة.
ذلك هو اليتم الذي تراه العين حين يغيب الأب، أما اليتم الذي لا تراه العين، فهو أن يبقى الأب في البيت، وتظل روح الابن تبحث عنه.

شبكة النبا المعلوماتية



من مواضيع : صدى المهدي 0 رحل صاحب الرسالة... وبقيت الرسالة تبحث عن حضورها في سلوك الأجيال
0 كيف اوضحَ رسول الله صلى الله عليه واله طريق نجاة الامة
0 كيف اوضحَ رسول الله صلى الله عليه واله طريق نجاة الامة
0 كيف اوضحَ رسول الله صلى الله عليه واله طريق نجاة الامة
0 شهادة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في النجف الأشرف
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 11:54 PM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية