|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,110
|
|
بمعدل : 0.53 يوميا
|
|
|
|
|
|
كاتب الموضوع :
صدى المهدي
المنتدى :
منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام
بتاريخ : 27-07-2026 الساعة : 07:49 AM
«في أمة جدي» وإصلاح الداخل
لم يقل الإمام عليه السلام: خرجت لإصلاح الحاكم فقط أو لإصلاح الدولة وحدها، بل قال: «لطلب الإصلاح في أمة جدي». وهذه العبارة توسع دائرة الإصلاح من السلطة إلى الأمة كلها، لأن الأزمة لم تكن محصورة في شخص يزيد، وإن كان توليه صورة شديدة للانحراف، بل كانت هناك أزمة أوسع في وعي الأمة وثقافتها وإرادتها وعلاقتها بالدين والسلطة والمال والحقوق.
فقوله «في أمة جدي» يبين أن الحركة من أجل أمة كاملة، وليست من أجل شخص أو جماعة محدودة. وهي أمة رسول الله صلى الله عليه وآله، أمة الرحمة والأخلاق والفضيلة والصلاح، وليست الأمة التي يحاول كل حاكم أن يعيد تشكيلها وفق الثقافة التي تخدم سلطته.
وتحمل عبارة «أمة جدي» معنى هوية الرسالة المحمدية. فهذه الأمة لم تنشأ على العصبية والملك والقوة، وإنما نشأت برسالة النبي صلى الله عليه وآله. ولذلك لا يكون معيار إصلاحها الأعراف التي يفرضها أصحاب السلطة، بل القيم التي أسسها عليها رسول الله.
كما أن الإصلاح هنا استعادة للأصل، لا تأسيس لدين جديد. فالإمام الحسين عليه السلام لم يطرح مشروعًا شخصيًا ينافس مشروع جده، وإنما أراد إعادة الأمة إلى أصلها، وإزالة ما تراكم على الرسالة من انحرافات. ولهذا قال بعد ذلك: «وأسير بسيرة جدي وأبي».
وقول الإمام «جدي» ليس تفاخرًا بالنسب، وإنما بيان للمسؤولية. فقربه من رسول الله صلى الله عليه وآله يجعله أعرف بسيرته وأعظم مسؤولية في صيانة نهجه. والإمام الحسين عليه السلام امتداد لجده في الأخلاق والروح والفكر والدين، وليس مجرد قريب منه من الناحية النسبية، كما يكشف قول النبي صلى الله عليه وآله: «حسين مني وأنا من حسين».
ويحمل حرف الجر «في» دلالة مهمة. فقد قال الإمام: «الإصلاح في أمة جدي»، فكأنه يصور نفسه عاملًا داخل الأمة ولأجلها، لا مالكًا لها ولا متعاليًا عليها. إنه يريد أن يحدث الإصلاح في بنيتها ووعيها وسلوكها، لا أن يستبدل تسلطًا بتسلط آخر.
وهذا المعنى متصل بقوله تعالى:
(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: 110).
فالأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر هي الأمة الإصلاحية، وهي الأمة المتقدمة في الخير والصلاح. أما الأمة التي تبتعد عن الإصلاح فإنها تفقد معنى خيريتها، وقد تصبح في ذيل الأمم في مؤشرات الفساد والتخلف، مع أنها خوطبت بقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ).
كما يتصل هذا المعنى بقوله تعالى:
(وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) (هود: 117).
وهذا يؤكد أهمية الإصلاح في حياة الأمة، لأن الأمة التي يغيب فيها الإصلاح تفقد قدرتها على مقاومة الانحراف وعلى تغيير واقعها.
والحاكم الفاسد لا يستمر بقوته وحدها، بل يستفيد من خوف الناس وجهلهم وصمتهم ومصالح بعض النخب، ويستعمل أدوات السلطة لتوسيع هذا الخوف وترسيخ الطاعة. ولذلك فإن تغيير الحاكم من دون إصلاح وعي المجتمع قد يعيد إنتاج الفساد نفسه. ولا يعني ذلك تحميل الأمة المسؤولية كلها، بل بيان أن الإصلاح السياسي يحتاج إلى إصلاح ثقافي وأخلاقي واجتماعي يحصن الناس من إعادة إنتاج الاستبداد.
إن كل حاكم منحرف يحاول أن يخلق ثقافة جديدة وأخلاقًا جديدة تتفق مع مصالحه. لذلك أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يعيد الأمة إلى أصلها، إلى نهج رسول الله القائم على الرحمة والفضيلة، وإلى نهج أمير المؤمنين القائم على العدالة والنزاهة والحق.
الأمر بالمعروف والسير بالسيرة
قال الإمام الحسين عليه السلام: «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر». وهنا حدد وسيلة الإصلاح ومحوره. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا وعظًا فرديًا محدودًا، وإنما هما منهج لحماية القيم والحقوق والنظام العام من الانحراف.
والمعروف يشمل العدل وحفظ الحقوق وصيانة المال العام واحترام كرامة الإنسان، والمنكر يشمل الظلم والاستبداد والفساد والتلاعب بالدين وسلب حقوق الأمة. ولذلك لم تكن نهضة الإمام احتجاجًا على مخالفة جزئية، بل مواجهة لمنظومة جعلت المنكر أمرًا طبيعيًا، وأضعفت قدرة الأمة على الاعتراض.
وقد ربط الإمام بين قوله: «في أمة جدي» وقوله: «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، لأن أمة رسول الله صلى الله عليه وآله هي التي وصفها القرآن الكريم بأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فإذا تركت الأمة هذه الوظيفة ضعفت قدرتها على الإصلاح، وأصبح الظالم قادرًا على الاستيلاء عليها.
لكن الإمام لم يكتف بالقول، بل قدم حياته مثالًا عمليًا. فالإصلاح عنده ليس خطابًا يطالب الآخرين بالتغيير، وإنما التزام يبدأ من المصلح نفسه. ولذلك بذل مهجته في سبيل استنقاذ الأمة، وجعل حياته مصداقًا للمعروف الذي دعا إليه.
كما أن الإصلاح لا يترسخ بالإكراه ولا بالقانون وحده، ما لم تسنده تربية داخلية ووعي أخلاقي. فالقانون ينظم السلوك ويحمي الحقوق، أما التربية فتبني الإنسان القادر على احترامه. ولهذا فإن الأمة التي تريد الإصلاح لا بد أن تربي أطفالها وأسرها ومجتمعها على الفضائل والأخلاق، وأن تجعل مناهج التعليم وسياساتها عملية تربية للإنسان.
وبعد أن بين الإمام الغاية والوسيلة حدد المرجعية فقال: «وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب». وهذه العبارة تعني أن الإصلاح الحسيني لم يكن مشروعًا جديدًا ولا رؤية شخصية، وإنما كان عودة إلى الأصل النبوي والتطبيق العلوي.
فسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله تمثل المرجعية القائمة على إقامة الدين والعدل، وصيانة كرامة الإنسان، والرحمة بالناس، ومحاربة العصبية والامتياز، وربط السلطة بالأمانة والمسؤولية.
أما سيرة أمير المؤمنين عليه السلام فتمثل التطبيق العملي لهذه القيم في الحكم، بما قامت عليه من العدالة والنزاهة وحماية المال العام، ورفض شراء الولاءات، ومحاسبة الولاة، وإنصاف الضعفاء، وعدم منح الأقارب امتيازات على حساب الأمة، وعدم التضحية بالمبادئ من أجل تثبيت السلطة.
والجمع بين السيرتين يعني أن الإمام الحسين عليه السلام يستند إلى المثال النبوي وتجربة أبيه في الحكم وإدارة الدولة ومواجهة الفساد السياسي والمالي. فسيرة جده تقدم أصل الرسالة، وسيرة أبيه تقدم النموذج العملي في السلطة والمجتمع.
ولفظ «أسير» يحمل معنى الاستمرار والالتزام. فلم يقل الإمام: أستشهد بسيرة جدي وأبي، بل قال: «أسير». أي إن السيرة ليست شعارًا أو ذكرى تاريخية، وإنما طريق يُسار فيه وتتحول قيمه إلى ممارسة يومية ومنهج للحركة.
الحق أساس القبول والصبر خُلُق الإصلاح
قال الإمام عليه السلام: «فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق». وهذه العبارة تجعل قبول الإمام قبولًا للحق الذي يحمله ويجسده. فالإمام لم يطلب من الأمة أن تقبله لمجرد النسب أو المكانة، وإنما دعاها إلى الحق الذي جاء به.
ولا يعني ذلك فصل الإمام عن الحق، فالإمام المعصوم هو حجة الله وحامل الحق، وإنما يعني أن القيادة الحسينية لا تقوم على عبادة الشخصية ولا على الطاعة العمياء. فالقبول بالإمام هو اجتماع على الحق، والنسب والمكانة لا يتحولان إلى امتياز شخصي، بل إلى مسؤولية في إقامة الحجة وهداية الأمة.
وهذه العبارة تنفي العصبية العائلية التي قد تُفهم من قوله: «في أمة جدي». فقد استحضر الإمام نسبه بوصفه مسؤولية رسالية، ثم جعل الحق أساس القبول. فهو لم يجعل ذاته محور الحركة، بل جعل الحق الذي يمثله هو المحور.
ثم قال: «ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين». فالإصلاح الحسيني لا يتحول إلى انتقام ممن لا يستجيب، وإنما يبقى محكومًا بالبيان والحجة والصبر والثبات. وقد حرص الإمام في مراحل حركته على الحوار وإقامة الحجة وعدم البدء بالقتال.
والصبر ليس موقفًا سلبيًا ولا انسحابًا من المسؤولية، بل هو قدرة المصلح على الثبات حين لا تظهر النتائج سريعًا. فالمصلح لا يقيس صحة موقفه بسرعة الانتصار، وإنما بسلامة الطريق والثبات على الحق. ولهذا ختم الإمام وصيته بالصبر، لأن طريق الإصلاح قد يواجه الرفض والتضليل والعنف، لكنه لا يفقد قيمته ما دام قائمًا على الحق.
امتدادات الخطاب الإصلاحي من المدينة إلى كربلاء
وضعت وصية الإمام الحسين عليه السلام الأساس الفكري والأخلاقي للنهضة، ثم جاءت خطاباته ومواقفه في الطريق إلى كربلاء وفي يوم عاشوراء لتكشف امتدادات هذا الأساس في مسؤولية الأمة والقيادة والحياة والكرامة والحرية.
فعندما تحدث الإمام عن السلطان الجائر لم يكن يريد تعريف الناس بشخصية موجودة فحسب، بل كان يبين أن الحاكم الجائر يقف في الجهة المضادة للحركة الإصلاحية، وأن وجوده ليس منفصلًا عن واقع الأمة.
وقد قال تعالى عن فرعون:
(فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (الزخرف: 54).
استطاع فرعون أن يسيطر على قومه لأنه استخف بهم وأضعف وعيهم، واغرقهم في الباطل، فاستجابوا له. وكذلك استفاد يزيد من خوف الأمة وصمتها ومن المصالح التي ربطت بعض النخب بسلطته. ومن هنا كان خطاب الإمام موجهًا إلى الأمة قبل أن يكون موجهًا إلى الحاكم، لأنه يريد إصلاح الوعي الذي يسمح للانحراف بالاستمرار.
وهذا معنى الأثر المعروف: «كيفما تكونوا يُولّى عليكم». فإذا لم يتغير وعي الأمة وأخلاقها وموقفها من الظلم فقد يذهب حاكم ويأتي آخر يعيد إنتاج المنهج نفسه. فالإصلاح هو الذي يصنع الخير والتقدم والرقي، ويطور وجود الإنسان وكرامته.
وفي علاقة الإمام بأصحابه قال عليه السلام: «فإني لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي»(3). وقد أراد أن يقدم أصحابه نماذج للأمة، وأن يبين العلاقة الحقيقية بين القائد المصلح وأنصاره.
فمعرفة الإمام تقتضي اتباعه اتباعًا حقيقيًا. وأصحاب الإمام جسدوا الولاء والمعرفة وسيرته وتوجيهاته وأخلاقه. فالتابع الحقيقي يحاول أن يكون مثل إمامه في المعرفة والأخلاق والسيرة، وعند ذلك يتحقق التجانس بين الإمام وتابعه. ولا تكون النصرة انتسابًا بالاسم، وإنما التزامًا بالمشروع الإصلاحي وتجسيدًا لقيمه.
وفي خضم المعركة خاطب الإمام القوم وقال لهم: «فانتسبوني من أنا». ولم يكن هذا الحديث تفاخرًا بالنسب، بل إقامة للحجة وبيانًا لموقعه من رسول الله صلى الله عليه وآله. فالناس قد لا يدركون الحق بصورة مجردة، لكنهم يعرفونه حين يتجسد في إنسان يحمل أخلاق رسول الله ورحمته وكرمه وفضيلته.
لقد أراد الإمام أن يبين للقوم أن موقفه امتداد للرسالة، وأن الانحياز إليه ليس تعصبًا لشخص، بل انحياز إلى القيم التي يمثلها. ومن يتبع يزيد يدخل في طريق الظلم والفساد، بينما كان أهل البيت عليهم السلام يمثلون الحق والخير والفضيلة.
الحياة والكرامة والحرية
قال الإمام الحسين عليه السلام: «خُطَّ الموت على ولد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة». وفي هذا الخطاب يقدم الإمام مفهوم الموت من منظور إيماني وعقائدي وأخلاقي، ويربطه بمعنى الحياة وكرامة الإنسان.
فهناك أناس أجسادهم حية ولكن نفوسهم ميتة، وهناك أناس تموت أجسادهم وتبقى نفوسهم حية في أثرها وكرامتها. وهناك من يعيش بالكرامة، وهناك من يموت كل يوم بالذل. وهذه معركة وجودية للإنسان، لأن الموت لا يعني انتهاء وجوده إذا مات بكرامة.
وقد بلغ الإمام الحسين عليه السلام قمة السعادة باستشهاده، كما جاء في تعبير زيارة الاربعين: «أكرمته بالشهادة وحبوته بالسعادة». وهذا هو معنى الحياة في قوله: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا». فالعيش تحت سطوة الظالم وفي الذل والاستباحة لا يمثل الحياة الحقيقية التي أرادها الله للإنسان.
الحياة والموت يتحقق معناهما في الوجود الذي يصنعه الإنسان لنفسه. فالإنسان الذي تكون له مواقف في الحياة، ويساعد الناس ويعيش بالشهامة والخير، يكون له وجود حقيقي، ويراه الناس إنسانًا حاضرًا بكرامته وذاته. أما الإنسان البخيل الأناني الذي لا ينفع الآخرين ولا يحمل موقفًا ولا خيرًا، فإنه يعيش بجسده لكنه لا يحقق وجوده الإنساني الحقيقي.
إن كرامة الإنسان تتحقق بالخير والمعروف ونفع الآخرين. أما من يعيش في الظلم والأنانية فإنه يفقد معنى وجوده. ولذلك لا ينبغي أن يبحث الإنسان عن الحياة بمعناها المادي فقط، فيجعل غايته المال والمعيشة والرفاه، بل عليه أن يحقق وجوده بوصفه إنسانًا له فضيلة وكرامة وعقل وقلب ورحمة.
وهذا الوجود يرتبط بالمسؤولية، لأن «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فالإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، ولا تتحقق حياته في جمع المنافع المادية فقط، بل في موقفه ومسؤوليته وما يقدمه من خير للآخرين.
ويخاف الإنسان عادة على حياته، وقد يدفعه الخوف إلى أن يقبل بالذل من أجل أن يبقى حيًا. لكن الخطاب الحسيني يسأل: هل تستحق الحياة أن يعيشها الإنسان بذل؟
لقد أعطى الله سبحانه وتعالى الإنسان نعمة الحياة، لكن هذه النعمة ينبغي أن تُعاش بكرامة. ومن هنا جاء قول الإمام عليه السلام: «هيهات منا الذلة». فهو لا يريد للإنسان أن يعيش ذليلًا، بل أن يعيش كريمًا.
وليست قيمة العمر في عدد سنواته. فقد يعيش إنسان عشرين سنة وتكون حياته أعظم من حياة إنسان عاش مائة سنة، لأن حقيقة العمر تقاس بما قدمه الإنسان من ذاته وخيره وحقه، لا بمجرد بقاء الجسد. فالحياة أعظم نعمة، لكنها تكون حياة حقيقية حين تكون كريمة.
وقال الإمام الحسين عليه السلام: «إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحرارًا في دنياكم»(4). وهذه الكلمة تحمل أبعادًا إنسانية وروحية كبيرة. فقد يكون هناك إنسان لا يؤمن بالآخرة ويؤمن بالدنيا وحدها، لكن الإمام كأنه يقول له إذا كنت تؤمن بهذه الدنيا فقط فعش فيها حياة كريمة، وكن حرًا في نفسك، وعش حياة الخير والصلاح والفضيلة.
ومعنى «كونوا أحرارًا في دنياكم» أن يصبح الإنسان حرًا ولا يكون عبدًا للظالم، ولا يتحول إلى سيف بيده يقتل به الآخرين. فما قيمة الإنسان الذي يقبل أن يعيش مع الظالم ويضع نفسه في خدمته ويشارك في الحيف والطغيان الذي يقع على الناس؟
إن الخطاب الحسيني يقول للإنسان: كن رافضًا للظلم والحيف، وكن وجودًا حقيقيًا في الحياة، ولا تجعل نفسك وجودًا هامشيًا لا قيمة له. فالحرية قدرة الإنسان على أن يحفظ كرامته وألا يسلم نفسه للظالم.
خاتمة
يكشف تحليل وصية الإمام الحسين عليه السلام وخطابه في مسيرته من المدينة إلى كربلاء أن الإصلاح الحسيني بُني على مسار متكامل، يمكن تلخيصه على ضوء هذه الاستنتاجات:
1. تقدّم وصية الإمام الحسين عليه السلام مفهومًا عميقًا ومتكاملًا للإصلاح.
2. يبدأ الإصلاح الحسيني من الداخل بتطهير الدوافع من الأشر والبطر.
3. ينتقل الإصلاح إلى الواقع الخارجي برفض الإفساد والظلم ومواجهة آثارهما في الأمة.
4. يحدد الخطاب الحسيني إصلاح الأمة غاية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسيلة، وسيرة النبي صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام مرجعية.
5. يقوم الإصلاح على قبول الحق، ويتخذ من الصبر والثبات خُلقًا في مواجهة الرفض والتحديات.
6. تجعل النهضة الحسينية من إصلاح الدوافع والالتزام بالحق ورفض الوسائل الفاسدة أساسًا لكل مشروع إصلاحي.
7. ينظر المصلح إلى السلطة والمال والمكانة بوصفها أمانة ومسؤولية، ويمنع تحوّلها إلى طريق للأشر والبطر.
8. ينطلق إصلاح الأمة من خدمة الحق وإحياء القيم التي تحول دون عودة الفساد والظلم، ولا يقف عند تغيير الوجوه أو السيطرة على السلطة.
وبهذا لا تكون الوصية مجرد تفسير تاريخي لسبب الخروج من المدينة، بل تصبح قاعدة دائمة لكل حركة إصلاحية. فالإصلاح لا يقاس بالشعارات، وإنما بطهارة الدافع، وعدالة الوسيلة، وشمول الغاية، والالتزام بالحق، والصبر على كلفة الطريق.
وهذا هو جوهر الخطاب الحسيني: أن إصلاح الأمة لا يبدأ من السيطرة عليها، بل من استنقاذها وخدمة الحق فيها، وهو إصلاح يبدأ من الإنسان وتربيته ووعيه، ثم يمتد إلى المجتمع والدولة، ويجعل الكرامة والحرية والمسؤولية معاني أساسية في بناء الأمة.
* هذا المقال في الأصل هو حوار بث على قناة الامام الحسين الفضائية
................................................
(1) بحار الأنوار، ج ظ¤ظ¤، العلامة المجلسي، ص ظ£ظ£ظ .
(2) الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ظ¥ظ ظ .
(3) الإرشاد، ج ظ¢، الشيخ المفيد، ص ظ©ظ،.
(4) مقتل الحسين (ع)، أبو مخنف الأزدي، ص ظ،ظ©ظ .
| |
|
|
|
|
|