لقد شهد للإمام موسى الكاظم(عليه السلام) بوفور علمه أبوه الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام) إذ قال عنه
«إنّ ابني هذا لو سألته عمّا بين دفتي المصحف لأجابك فيه بعلم»
وقال أيضاً:
«وعنده علم الحكمة، والفهم، والسخاء، والمعرفة بما يحتاج إليه الناس فيما اختلفوا فيه من أمر دينهم»
ويكفي لمعرفة وفور علومه رواية العلماء عنه جميع الفنون من علوم الدين وغيرها مما ملأوا به الكتب، وألّفوا المؤلّفات الكثيرة، حتى عرف بين الرواة بالعالم
وقال الشيخ المفيد:
وقد روى الناس عن أبي الحسن موسى فأكثروا، وكان أفقه أهل زمانه
2 - عبادته وتقواه :
نشأ الإمام موسى (عليه السلام) في بيت القداسة والتقوى، وترعرع في معهد العبادة والطاعة، بالاضافة الى أنه قد ورث من آبائه حب الله والايمان به والاخلاص له فقد قدموا نفوسهم قرابين في سبيله ، وبذلوا جميع إمكانياتهم في نشر دينه والقضاء على كلمة الشرك والضلال فأهل البيت أساس التقوى ومعدن الايمان والعقيدة، فلولاهم ماعبد الله عابد ولا وحّده موحّد. وما تحقّقت فريضة، ولا أقيمت سنة ، ولا ساغت في الاسلام شريعة
لقد رأى الإمام(عليه السلام) جميع صور التقوى ماثلة في بيته، فصارت من مقوّمات ذاته ومن عناصر شخصيته، وحدّث المؤرخون أنه كان أعبد أهل زمانه حتى لقّب بالعبد الصالح، وبزين المجتهدين إذ لم تر عين انسان نظيراً له قط في الطاعة والعبادة. ونعرض انموذجاً من مظاهر طاعته وعبادته
أ ـ صلاته
إنّ أجمل الساعات وأثمنها عند الإمام(عليه السلام) هي الساعات التي يخلو بها مع الله عزّ اسمه فكان يقبل عليه بجميع مشاعره وعواطفه وقد ورد: أنه إذا وقف بين يدي الله تعالى مصلّياً أو مناجياً أو داعياً ارسل ما في عينيه من دموع، وخفق قلبه، واضطرب موجدة وخوفاً منه، وقد شغل أغلب أوقاته في الصلاة «فكان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ويخرّ لله ساجداً فلا يرفع رأسه من الدعاء والتمجيد حتى يقرب زوال الشمس ، من مظاهر طاعته أنه دخل مسجد النبي(صلى الله عليه وآله) في أول الليل فسجد سجدة واحدة وهو يقول بنبرات تقطر إخلاصاً وخوفا منه
« عظم الذنب من عبدك، فليحسن العفو من عندك»
ولمّا أودعه طاغية زمانه الملك هارون الرشيد في ظلمات السجون تفرغ للطاعة والعبادة حتى بهر بذلك العقول وحير الالباب، فقد شكر الله على تفرغه لطاعته قائلا :
« اللّهم انّني كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك، اللهمّ وقد فعلت فلك الحمد»
لقد ضرب الإمام المثل الأعلى للعبادة فلم يضارعه أحد في طاعته واقباله على الله، فقد هامت نفسه بحبه تعالى، وانطبع في قلبه الايمان العميق
وحدّث الشيباني عن مدى عبادته، فقال : كانت لأبي الحسن موسى (عليه السلام) في بضع عشر سنة سجدة في كل يوم بعد ابيضاض الشمس الى وقت الزوال وقد اعترف عدوه هارون الرشيد بأنه المثل الأعلى للانابة والايمان، وذلك حينما أودعه في سجن الربيع فكان يطل من أعلى القصر فيرى ثوباً مطروحاً في مكان خاص من البيت لم يتغير عن موضعه فيتعجب من ذلك ويقول للربيع
«ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع» ؟ !
ـ يا أمير المؤمنين: ما ذاك بثوب، وإنما هو موسى بن جعفر، له في كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس الى وقت الزوال
فبهر هارون وانطلق يبدي إعجابه
ـ أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم ! !
والتفت إليه الربيع بعد ما سمع منه اعترافه بزهدالإمام وعزوفه عن الدنيا طالباً أن يطلق سراحه ولا يضيّق عليه قائلاً
يا أمير المؤمنين: ما لك قد ضيّقت عليه في الحبس ! ! ؟
فأجابه هارون بما انطوت عليه نفسه من عدم الرحمة والرأفة قائلاً
«هيهات: لابد من ذلك !»
ب ـ صومه
كان الإمام(عليه السلام) يصوم في النهار ويقوم مصلّياً في الليل، خصوصاً لمّا سجنه هارون فإنه لم يبارح العبادة الاستحبابية بجميع أنواعها من صوم وغيره، وهو يشكر الله ويحمده على هذا الفراغ الذي قضاه في عبادته
ج ـ حجّه
وما من شيء يحبه الله وندب إليه إلاّ فعله الإمام عن رغبة واخلاص، فمن ذلك أنه حج بيت الله ماشياً على قدميه، والنجائب تقاد بين يديه، وقد حج معه أخوه علي بن جعفر وجميع عياله أربع مرات، وحدّث علي بن جعفر عن الوقت الذي قطعوا به طريقهم فقال: كانت السفرة الاُولى ستاً وعشرين يوماً، والثانية كانت خمساً وعشرين يوماً، والثالثة كانت أربعاً وعشرين يوماً، والرابعة كانت إحدى وعشرين يوماً
د ـ تلاوته للقرآن
كان الذكر الحكيم رفيق الإمام في خلواته، وصاحبه في وحشته وكان يتلوه بامعان وتدبر، وكان من أحسن الناس صوتا به، فاذا قرأ يحزن، ويبكي السامعون لتلاوته
وحدّث حفص عن كيفية تلاوته للقرآن فقال: وكان قراءته حزناً فاذا قرأ فكأنه يخاطب إنساناً بهذه الكيفية كان يتلو آيات الذكر الحكيم فكان يمعن في تعاليمه ويمعن في آدابه، ويتبصر في أوامره ونواهيه وأحكامه
هـ ـ عتقه للعبيد
ومن مظاهر طاعة الإمام(عليه السلام) عطفه واحسانه على الرقيق فقد أعتق الف مملوك[13] كل ذلك لوجه الله، وابتغاء مرضاته، والتقرب إليه
3 ـ زهده :
كان الإمام في طليعة الزاهدين في الدنيا والمعرضين عن نعيمها وزخارفها فقد اتجه الى الله ورغب فيما أعدّه له في دار الخلود من النعيم والكرامة، وقد حدثنا عن مدى زهده ابراهيم بن عبد الحميد فقال: دخلت عليه في بيته الذى كان يصلي فيه، فاذا ليس في البيت شيء سوى خصفة، وسيف معلق، ومصحف، لقد كان عيشه زهيداً، وبيته بسيطاً فلم يحتو على شيء حتى من الأمتعة البسيطة التي تضمها بيوت الفقراء الأمر الذي دل على تجرده من الدنيا، وإعراضه عنها. على أنه كانت تجبى له الأموال الطائلة، والحقوق الشرعية من العالم الشيعي، بالاضافة الى أنه كان يملك البسرية وغيرها من الأراضي الزراعية التي تدر عليه بالاموال الخطيرة، وقد أنفق جميع ذلك بسخاء على البائسين والمحرومين في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وكان(عليه السلام) دوماً يتلو على أصحابه سيرة أبي ذر الصحابي العظيم الذي ضرب المثل الاعلى لنكران الذات والتجرد عن الدنيا والزهد في ملاذها، فقال (عليه السلام):
«رحم الله أبا ذر . فلقد كان يقول: جزى الله الدنيا عني مذمة بعد رغيفين من الشعير، أتغدى بأحدهما، وأتعشى بالآخر، وبعد شملتي الصوف أئتزر باحدهما وارتدي بالاُخرى...»
4 ـ جوده وسخاؤه :
لقد تجلّى الكرم الواقعي، والسخاء الحقيقي في الإمام فكان مضرب المثل في الكرم والمعروف، فقد فزع إليه البائسون والمحرومون لينقذهم من كابوس الفقر وجحيم البؤس وقد أجمع المؤرخون أنه أنفق(عليه السلام) جميع ما عنده عليهم كل ذلك في سبيل الله لم يبتغ من أحد جزاءاً أو شكورا، وكان(عليه السلام) في صِلاته يتطلب الكتمان وعدم الذيوع لئلا يشاهد على الآخذ ذلة الحاجة، وكان يلتمس في ذلك وجه الله ورضاه، ولهذا كان يخرج في غلس الليل البهيم فيصل الطبقة الضعيفة ببرّه وإحسانه وهي لا تعلم من أيّ جهة تصلها تلك المبرة، وكان يوصلهم بصراره التي تتراوح ما بين المائتي دينار الى الاربعمائة دينار[1] وكان يضرب المثل بتلك الصرار فكان أهله يقولون
«عجباً لمن جاءته صرار موسى وهو يشتكي القلة والفقر!!»
وبلغ من عطفه المستفيض أنه إذا بلغه عن شخص يؤذيه ويسيء إليه بعث له بصرّة فيها ألف دينار وقد قامت هباته السرية وصلاته الخفية بإعاشة فقراء يثرب، فكانوا جميعاً يرتعون بنعمته ويعيشون من عطاياه.
وحدّث عيسى بن محمّد القرطي قال : «زرعت بطيخاً وقثاءً وقرعا في موضع بالجوانيّة على بئر يقال لها اُم عضام
فلمّا استوى الزرع بغتني الجراد، فأتى على الزرع كلّه، وكنت قد غرمت عليه مع ثمن جملين مائة وعشرين ديناراً. فبينما أنا جالس إذ طلع عليّ الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام) فسلّم ثم قال لي: كيف حالك؟
فقلت: أصبحت كالصريم بغتني الجراد فأكل كل زرعي
فقال: كم غرمت فيه؟
فقلت: مائة وعشرين ديناراً مع ثمن الجملين
فالتفت (عليه السلام) لعرفة وقال له: زن لابن المغيث مائة وخمسين ديناراً. ثم قال لعيسى: فربحك ثلاثون ديناراً مع الجملين
5 ـ حلمه :
وكان الحلم من أبرز صفات الإمام موسى(عليه السلام) فقد كان مضرب المثل في حلمه وكظمه للغيظ، وكان يعفو عمن أساء إليه، ويصفح عمن اعتدى عليه، ولم يكتف بذلك وانماكان يحسن لهم ويغدق عليهم بالمعروف ليمحو بذلك روح الشر والانانية من نفوسهم، وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة من حلمه فقد رووا: «أن شخصاً من احفاد عمر بن الخطاب كان يسيء للامام، ويكيل السب والشتم لجده أمير المؤمنين(عليه السلام) فأراد بعض شيعة الإمام اغتياله فنهاهم (عليه السلام) عن ذلك ورأى أن يعالجه بغير ذلك فسأل عن مكانه فقيل: أنه يزرع في بعض نواحي المدينة، فركب(عليه السلام) بغلته ومضى إليه متنكراً، فوجده في مزرعته فأقبل نحوه، فصاح به: لا تطأ زرعنا واستمر الإمام حتى وصل إليه، ولمّا انتهى إليه جلس الى جنبه وأخذ يلاطفه ويحدّثه بأطيب الحديث، وقال له بلطف ولين :
ـ كم غرمت في زرعك هذا ؟
- مائة دينار
- كم ترجو أن تصيب منه ؟
- أنا لا أعلم الغيب !
- انما قلت لك : كم ترجو أن يجيئك منه ؟
- أرجو أن يجيئني منه مئتا دينار
فأعطاه (عليه السلام) ثلاثمائة دينار، وقال: هذه لك وزرعك على حاله فتغير العمري، وخجل من نفسه على ما فرط من قبل في حق الامام، وتركه (عليه السلام) ومضى الى الجامع النبوي، فوجد العمري قد سبقه، فلما رأى الإمام مقبلاً قام إليه تكريماً وانطلق يهتف
(الله أعلم حيث يجعل رسالته) في من يشاء»
فبادر إليه اصحابه منكرين عليه هذا الانقلاب، فأخذ يخاصمهم، ويتلو عليهم مناقب الإمام ومآثره، ويدعو له، فالتفت(عليه السلام) إلى أصحابه قائلا:
أيّما كان خيراً؟ ما أردتم أو ما أردت أن أصلح أمره بهذا المقدار؟»
ومن آيات حلمه(عليه السلام) أنه اجتاز على جماعة من حسّاده وأعدائه، وكان فيهم ابن هياج فأمر بعض اتباعه أن يتعلق بلجام بغلة الإمام ويدّعيها فمضى الرجل الى الإمام وتعلق بزمام بغلته فادعاها له فعرف الإمام غايته فنزل عن بغلته وأعطاها له لقد أقام(عليه السلام) بذلك أسمى مثل للانسانية الفذّة والحلم الرفيع
وكان(عليه السلام) يوصي أبناءه بالتحلّي بهذه الصفة الرفيعة ويأمرهم بالصفح عمن أساء إليهم فقد جمعهم وأوصاهم بذلك فقال
«يا بُنيّ : إني أوصيكم بوصية من حفظها انتفع بها، إذا أتاكم آت فأسمع أحدكم في الاذن اليمنى مكروهاً ثم تحوّل الى اليسرى فاعتذر لكم، وقال: إني لم أقل شيئاً فاقبلوا عذره»
6 ـ ارشاده وتوجيهه :
إنّ إرشاد الناس الى الحق وهدايتهم الى الصواب من أهم الأمور الاصلاحية التي كان الإمام يعنى بها، فقد قام بدور مهم في انقاذ جماعة ممن أغرّتهم الدنيا وجرفتهم بتيّاراتها. وببركة ارشاده ووعظه لهم تركوا ما هم فيه من الغيّ والضلال وصاروا من عيون المؤمنين. وقد ذكر المؤرخون بوادر كثيرة له في هذا المجال فقد رووا قصته مع بشر الحافي، إذ كان في بداية أمره ـ فيما يقول الرواة ـ يتعاطى الشراب ويقضي لياليه وأيامه في المجون والدعارة فتاب ببركة إرشاد الإمام(عليه السلام) وتوجيهه كما سوف نشير الى قصّته مع الإمام (عليه السلام) فيما سيأتي
وممن أرشدهم الإمام(عليه السلام) الى طريق الحق: الحسن بن عبدالله، فقد كان شخصية مرموقة عند الملوك زاهداً في الدنيا، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لا تأخذه في الله لومة لائم، فاجتمع بالامام فقال(عليه السلام) له
يا أبا علي ، ما أحب اليّ ما أنت عليه، وأسرني به، إلا أنه ليست لك معرفة فاطلب المعرفة
قال: وما المعرفة ؟
فقال له: تفقّه واطلب الحديث
فذهب الرجل فكتب الحديث عن مالك وعن فقهاء أهل المدينة، وعرضه على الإمام فلم يرض (عليه السلام)، وأرشده الى فقه أهل البيت وأخذ الأحكام منهم، والاعتراف لهم بالامامة فانصاع الرجل لذلك واهتدى
لقد كان (عليه السلام) يدعو الناس الى فعل الخير ويدلّهم على العمل الصالح ويحذرهم لقاء الله واليوم الآخر، فقد سمع رجلا يتمنّى الموت فانبرى(عليه السلام) له قائلا : «هل بينك وبين الله قرابة يحابيك لها ؟
فقال: لا
فقال له(عليه السلام): فأنت إذن تتمنّى هلاك الأبد»
7 - احسانه الى الناس :
وكان الإمام بارّاً بالمسلمين محسناً إليهم، فما قصده أحد في حاجة إلاّ قام بقضائها، فلا ينصرف منه إلاّ وهو ناعم الفكر مثلوج القلب، وكان(عليه السلام) يرى أن إدخال الغبطة على الناس وقضاء حوائجهم من أهم أفعال الخير فلذا لم يتوان قط في إجابة المضطر، ورفع الظلم عن المظلوم، وقد أباح لعلي بن يقطين الدخول في حكومة هارون وجعل كفارة عمل السلطان الاحسان الى الاخوان مبرّراً له، وقد فزع إليه جماعة من المنكوبين فكشف آلامهم وملأ قلوبهم رجاءاً ورحمة
ومن هؤلاء الذين أغاثهم الامام(عليه السلام) شخص من أهالي الري كانت عليه أموال طائلة لحكومة الري فلم يتمكّن من أدائها، وخاف على نعمته أن تسلب منه، فأخذ يطيل الفكر فيما يعمل، فسأل عن حاكم الري، فأخبر أنه من الشيعة، فطوى نيته على السفر الى الإمام ليستجير به فسافر الى المدينة فلما انتهى اليها تشرف بمقابلة الإمام فشكى إليه حاله، فزوده(عليه السلام) برسالة الى والي الري جاء فيها بعد البسملة
إعلم أنّ لله تحت عرشه ظلا لا يسكنه إلاّ من أسدى الى أخيه معروفاً، أو نفّس عنه كربة، أو أدخل على قلبه سروراً، وهذا أخوك والسلام
وأخذ الرسالة، وبعد أدائه لفريضة الحج، اتّجه الى وطنه، فلما وصل، مضى الى الحاكم ليلا، فطرق عليه باب بيته فخرج غلامه، فقال له : من أنت ؟
فقال: رسول الصابر موسى ؟
فهرع الى مولاه فأخبره بذلك فخرج حافي القدمين مستقبلا له، فعانقه وقبّل ما بين عينيه، وجعل يكرر ذلك، ويسأله بلهفة عن حال الامام، ثم إنه ناوله رسالة الإمام فقبّلها وقام لها تكريماً، فلما قرأها أحضر أمواله وثيابه فقاسمه في جميعها وأعطاه قيمة ما لا يقبل القسمة وهو يقول له : يا أخي هل سررتك ؟
فقال له: أي والله وزدت على ذلك ! !
ثم استدعى السجل فشطب على جميع الديون التي عليه وأعطاه براءة منها، وخرج الرجل وقد طار قلبه فرحاً وسروراً، ورأى أن يجازيه على إحسانه ومعروفه فيمضي الى بيت الله الحرام فيدعو له، ويخبرالإمام بما أسداه إليه من البر والمعروف، ولمّا أقبل موسم الحج مضى إليه ثم اتّجه الى يثرب فواجه الإمام وأخبره بحديثه، فسرّ(عليه السلام) بذلك سروراً بالغاً، فقال له الرجل: يا مولاي : هل سرّك ذلك ؟
فقال الإمام(عليه السلام): إي ، والله ! لقد سرّني، وسرّ أمير المؤمنين، والله لقد سرّ جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولقد سرّ الله تعالى..»
وقد دلّ ذلك على اهتمامه البالغ بشؤون المسلمين ورغبته الملحة في قضاء حوائج الناس
لقد نقلت الروايات عن علاقة هذا الإمام بالله تعالى، وعن عبادته وورعه وزهده، ولقد كان الإمام دؤوباً على ترتيل القرآن وحفظه، وله صوت رائع، وكان من العاملين بمبادئه وقيمه والتمسك به، وكان (عليه السلام) إذا قرأ يحزن ويبكي السامعين لتلاوته، ولورعه وزهده وتقواه كان الناس بالمدينة يسمّونه (زين المجتهدين). ومن فضائله بالإضافة الى ما ذكر العلم والحلم والتواضع وشدّة الخوف من الله تعالى, والكرم وكثرة التصدق على الفقراء والمساكين
ولقد كان من (الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس...)
وكان عفوه مشهوداً للناس، فروي أنّ غلاماً زنجيّاً مملوكاً، قد اشتاقت نفسه الى الحرية فلم يجد سبيلاً الى ذلك غير الإمام الكاظم (عليه السلام)، فقصده إلاّ أن الحياء عقد لسانه، ولكنه عرض أمره الى الإمام (عليه السلام)، وأهدى هدية للإمام فقبلها, مما حدا بالإمام الى إطلاقه وحرّره من عبوديته ردّاً للجميل. وهذه القصة طويلة ذكرها الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد)
حكمه ومواعظه (عليه السلام)
قال (عليه السلام)
(وجدت علم الناس في أربع: أولها أن تعرف ربّك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد منك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك عن دينك)
وقال (عليه السلام)
(كثرة الهمّ تورث الهرم، والعجلة هي الخرق، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن أحزن والده فقد عقّهما)
وقال (عليه السلام)
(اتّق الله وقل الحقّ وإن كان فيه هلاكك فإنّ فيه نجاتك، واتّق الله ودع الباطل وإن كان فيه نجاتك فإن فيه هلاكك)
استشهاده (عليه السلام)
لقد عاصر الإمام (عليه السلام) أربعة خلفاء عباسيين, وهم: المنصور، المهدي، الهادي، الرشيد، وقد امتلأت هذه الحقبة بالأحداث والوقائع التاريخية المريرة، وأبرز مظاهرها الملاحقات والسجن والقتل بأنواعه والتشريد لآل الرسول وأتباعهم. فالحكّام الجائرون يتحكّمون بالمسلمين كيف شاؤوا دون رادع أو وازع، حيث التسلّط على الرقاب, لا إرادة بسط العدل وإقامة أحكام وحدود الإسلام
ومن وقع تحت تأثير الظلم والجور المستشري هو الإمام الكاظم (عليه السلام)، فقد زجّه هارون العباسي في السجن، بل أخذ ينقله من سجن الى سجن
حتى سمّ الإمام (عليه السلام) بغضاً له وحسداً، حيث استشهد (عليه السلام) مسموماً في سجن السندي بن شاهك في بغداد. وكان ذلك اليوم هو الخامس والعشرين من رجب الأصب من سنة (183هـ)، ووضعه على الجسر وحيداً, ثم دعا الناس لتشيّعه
فسلام على عالم آل محمد يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً
عندما نستذكر هذا الإمام العظيم، فإنَّنا نجد هناك خصوصيّة في حياته لم تكن لأيِّ إمامٍ من أئمة أهل البيت(ع) الذين يلتقون جميعاً في أنَّهم عاشوا الاضطهاد في حياتهم من قِبَل الخلفاء الذين كانوا يضيّقون على حركة الأمّة الإسلاميّة، وهذه الخصوصيّة تنحصر في تضييق السلطة العباسيّة على حركته بشكل فوق العادة، وانتقاله من سجن إلى سجن، وهذا ما سنتعرّض له في مطاوي البحث إن شاء الله
عاش الإمام الكاظم(ع) في عهد هارون الرشيد الذي امتدّت سلطته إلى أبعد مدىً من مواقع البلاد الإسلاميّة، وكان هذا الرجل معروفاً بسلطته الظالمة التي كان يتجاوز بها حدود الله، وكان معروفاً أيضاً بابتذاله ولهوه فيما كان يعيشه من أجواء اللهو والفسوق التي لا تناسب إنساناً مسلماً، فكيف يمكن أن تتناسب مع شخص يجلس في مركز خلافة المسلمين؟
وكان هارون الرشيد يعرف القيمة التي اختزنتها قلوب المسلمين في محبته، ويعرف مدى امتداداته الشعبيّة، وكان يعرف أيضاً أنَّ الناس كانت تحمل إليه الأموال مما هو واجبٌ عليها من الحقوق الشرعيّة.. وبهذا أدرك أنَّ الكثيرين من الناس كانوا يعتقدون بأنَّه الإمام الشرعيّ الذي يجب على الأمة أن تمتثل أوامره ونواهيه وطاعته، كان يعرف ذلك كلَّه من خلال رصده لحركة الإمام(ع).. وقد كان يشعر بأنَّ الناس إنما تنجذب إليه كحاكم من خلال سلطته وقهره وقوّته، بينما كان يرى أنَّ الأمة تنجذب إلى الإمام الكاظم(ع) بقلوبها وعقولها وإيمانها، لما كان يمثّله من الخطِّ المستقيم الذي يريد الله سبحانه وتعالى للناس أن يهتدوا إليه وينطلقوا فيه في كلِّ حياتهم
فَدَك.. وشرعيّة الإمامة
ومما ملأ قلب هارون الرشيد حقداً على الكاظم(ع) وأبدى بسببه ـ من جملة أسباب كثيرة ـ قلقه من حركة الإمام الكاظم(ع)، هو عندما أراد الرشيد إعادة فدك للكاظم(ع) وكان له مما لم يرغب فيه.. فمما ينقله التاريخ أنَّ الرشيد استدعى يوماً الإمام الكاظم(ع) وأخبره برغبته بإعادة فدك إليه ـ وفدك هي الأرض التي أُخذت من فاطمة الزهراء(ع) بعد وفاة رسول الله(ص) ـ ولكنَّ الإمام(ع) لم يقبل بردِّها إلا بحدودها.. "فقال الرشيد: ما حدودها؟ فقال(ع): "إنْ حدّدتُها لم تردّها"، (هو يعرف أنَّ فَدَك مجرّد قطعة أرض موجودة في المنطقة المحيطة بالمدينة، مهما كثرت أو قلّت مساحتها، فإنَّها مجرّد أرض بسيطة)، فأصرَّ هارون عليه أن يبيّنها له قائلاً: بحقِّ جدِّك إلاَّ فعلت
ولم يجد الإمام بُدّاً من إجابته، فقال له
"أما الحدّ الأول، فعدن ـ فلما سمع الرشيد ذلك تغيّر وجهُه، واستمرّ الإمام(ع) في بيانه ـ والحدُّ الثاني: سمرقند ـ فاربد وجه الطاغية ـ والحدُّ الثالث إفريقيا ـ فاسودّ وجهه ـ والحدُّ الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينيا. قال هارون: لم يبقَ لنا شيء. فقال(ع): قد علمت أنَّك لا تردُّها"
المناقب، 2/381
ففدك برأي الإمام الكاظم(ع) لا تمثّل قطعة أرض، بل هي برأيه تمثّل ولاية أمور المسلمين، وبذلك فإنَّها تمثّل شرعية الإمامة وشرعية الحكومة الإسلامية في خطِّ أهل البيت(ع)، باعتبار أنّهم أولو الأمر الذين يجب على الناس طاعتهم لا طاعة العباسيين.. ونفهم من كلمة الكاظم(ع) في هذا المجال، أنَّ الزهراء(ع) عندما طالبت بفدك، فلأنَّها كانت تمثّل عنوان المطالبة بحقِّ عليٍّ(ع) في الولاية، ولم تكن تمثّل بالنسبة إليها أرضاً في المسألة الجغرافية فحسب
ولذلك، فإنَّ حدود فَدَك في ما نفهمها هي حدود الدولة الإسلاميّة في كلِّ امتداداتها وسعتها.. وفي هذا المجال، يُقال بأنَّ هارون الرشيد قد عزم على قتل الإمام الكاظم(ع)
الإمامة في صلابة الموقف
وينقل لنا التاريخ أنَّ الرشيد عندما زار مدينة رسول الله(ص)، "توجَّه لزيارة النبيِّ(ص) ومعه الناس، فتقدّم إلى قبر رسول الله(ص) وقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يابن العم ـ وكأنَّه يريد أن يفهم كل مَن حوله بأنَّه يملك الخلافة على أساس قرابته من رسول الله(ص)، فتقدّم أبو الحسن الكاظم(ع) إلى القبر فقال: "السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبتاه"، وتغيّر وجه الرشيد وتبيّن الغيظ فيه"
الإرشاد، ص:234. وتاريخ بغداد، ج:13، ص:31
وكأنَّه(ع) يريد أن يقول إذا كنت تتحدّث عن قرابتك للرسول(ص) على أساس أنَّه ابن عمِّك، لأنَّك ابن العباس، عم رسول الله(ص)، فهو(ع) أبو فاطمة الزهراء(ع)، والرشيد عندما تغيّر وجهه، فباعتبار أنَّ الكاظم(ع) لم يترك له مجالاً ليأخذ عنفوانه وزهوه على هذا الأساس
ويسأله هارون الرشيد: "لِمَ جوّزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله(ص) ويقولون لكم: يا بَني رسول الله، وأنتم بنو عليّ، وإنَّما يُنْسَبُ المرء إلى أبيه وفاطمة إنَّما هي وعاء، والنبيّ جدُّكم من قِبَل أمّكم؟ فقال(ع): لو أنَّ النبيّ(ص) نُشر ـ عاد إلى الحياة من جديد ـ فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيب؟ فقال: سبحان الله ولِمَ لا أُجيبه؟ بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقال(ع): لكنَّه(ص) لا يخطب إليَّ ولا أزوّجه. فقال: ولِمَ؟ قال(ع): لأنَّه ولدني ولم يَلِدْك"
بحار الأنوار، ج:48، ص:127ـ128
وجاء في وفيات الأعيان أنَّ الإمام(ع) أراد أن يدعم قوله ببرهان آخر، فقال لهارون: "هل كان يجوز له أن يدخل على حرمك وهُنَّ مكشّفات؟ فقال هارون: لا، قال(ع): له أن يدخل على حرمي"
وفيات الأعيان، ج:1، ص:394
لم يكن الإمام(ع) يريد أن يركّز على مسألة الخلافة والإمامة من موقع القرابة كما كان العباسيّون يفعلون عندما كانوا يقدّمون أنفسهم للناس على أنّهم أبناء عمِّ الرسول(ص)، لأنَّ الأئمة(ع) ينطلقون في مسألة الإمامة من خلال النصّ الإلهيّ الذي يحدّد ذلك ويجعلهم أولياء الأمر بعد رسول الله(ص).. فكان الإمام(ع) يريد أن يسقط هذا العنفوان والاستكبار لهارون الرشيد
ومن هنا قرّر الرشيد حبس الإمام(ع) بعد أن عرف تأثيره في المجتمع الإسلاميّ، ورأى أنَّ هذا التأثير يمكن أن يمتدَّ ويقوى ويتعمّق بالمستوى الذي قد يجعل للإمام(ع) امتداداً أكبر، فيهدّد حكمه بعد ذلك، ولذلك يُقال: بأنَّ هارون وقف أمام قبر رسول الله(ص) معتذراً منه(ص) بأنَّه يريد حبس الكاظم(ع) "لأني قد خشيت أن يلقي بين أمتك حرباً يسفك فيها دماءَهم"
بحار الأنوار، ج:17، ص:296
هذا منطق كلِّ الطغاة الذين يتحدّثون عن أيّة قوة معارضة بأنَّها تفرّق بين النّاس، وتهدّد أمنهم، وما إلى ذلك من الكلمات
ويصدر هارون أمراً بإلقاء القبض عليه، حيث يسيّره إلى البصرة، وبعد ذلك إلى بغداد، ثم يُوضع(ع) في سجن السندي بن شاهك الذي كان رجلاً فظّاً غليظاً، ويُقال إنَّه لم يكن مسلماً، فضيّق عليه ووضعه في "طامورة" لا يُعرف فيها الليل من النهار، ودسَّ إليه السُّمَّ في طعامه فاستُشهد(ع) في سجنه"
عيون أخبار الرضا، ج:1، ص:93
وعلى الرغم من أنَّ الإمام(ع) لم يكن يعترف بشرعية خلافة الرشيد، إلاَّ أنَّه كان يلتقيه ويحاوره ويناظره، وكان الرشيد لا يملك إلا أن يعظّمه، وهذا ما أشار إليه المأمون ابن الرشيد، الذي قيل له: من أين تعلّمت التشيّع؟ ـ وكانت هذه الكلمة تُطلق على الذين يحبُّون أهلَ البيت(ع) ويعظّمونهم ـ فقال ـ كما رُويَ عنه ـ: لقد تعلّمته من أبي هارون الرشيد، وذكر ما لقيه الإمام الكاظم(ع) من تعظيم عند استقبال هارون الرشيد له، ما أدّى إلى اعتراض المأمون على أبيه لجهله بالإمام، فقال له: إنَّ النّاس لو عرفوا من فضل هذا وأهل بيته ما نعرفه لما تركونا في مواقعنا. فقال له المأمون: لِمَ لم تتنازل عن موقعك إذا كنت تعرف من فضله ما تقول؟ فقال له: "إنَّ المُلْكَ عقيم، ولو نازعتني عليه لأخذتُ الذي فيه عيناك"
عشرون عاماً والجراح تتمتم .. والحزن والآهات فيها ترسمُ
وأنا الذي تاهت أحاسيس الجوى .. في اصغري فصار بوحيَ أبكم
عشرون عاماً في حياتك تلتقي .. الآلام والأيام فيك محرم
يا سيدي يا كاظم الغيظ الذي .. صلى بواديك الحطيم وزمزم
يا كاظم سيَرُ البلاء طويلة .. لا أبتدى في حصرها أو أختم
يا سيدي أرض السجون حزينة .. والحزن من أناته يتألم
في ظلمة مسكونة ندباً له .. في قيده حتى استثار المعصم
أواه يا سجن الإمام أما ترى .. روح الإمام بشجوها تتكلم
أحنت عليه النائبات ذيولها .. وانصبَّ حقد من غاصبين أقدم
اللهمّ صل على محمدٍ وأهل بيته، وصلّ على موسى بن جعفر وصي الأبرار، وإمام الأخيار، وعيبة الأنوار، ووارث السكينة والوقار، والحكم والآثار، الذي كان يحيى الليل بالسهر إلى السحر بمواصلة الاستغفار، حليف السجدة الطويلة، والدموع الغزيرة، والمناجاة الكثيرة، و الضراعات المتصلة، ومقر النهى والعدل، والخير والفضل، والندى والبذل، ومألف البلوى والصبر، والمضطهد بالظلم، والمقبور بالجور، والمعذّب في قعر السجون، وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود، والجنازة المنادى عليها بُذل الاستخفاف، والوارد على جده المصطفى، وأبيه المرتضى، وأمه سيدة النساء، بإرث مغصوب، وولاء مسلوب، وأمرٍ مغلوب، ودمٍ مطلوب، وسمّ مشروب، اللهم وكما صبر على غليظ المحن، وتجرع غصص الكرب، واستسلم لرضاك، وأخلص الطاعة لك ومحض الخشوع، واستشعر الخضوع، وعادى البدعة وأهلها، ولم يلحقه في شيء من أوامرك ونواهيك لومة لائم صل عليه صلاةً ناميةً منيفةً زاكيةً توجبُ له بها شفاعة أممٍ من خلقك، وقرون من براياك، وبلّغه عنا تحية وسلاماً وآتنا من لدنك في موالاته فضلاً وإحساناً، ومغفرة ورضواناً إنك ذو الفضل العميم والتجاوز العظيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
من كلام الإمام الكاظم عليه السلام
1- من استوى يوماه فهو مغبون، و من كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، و من يعرف الزيادة في نفسه فهو في النقصان، و من كان إلى النقصان، فالموت خير له من الحياة
2- المؤمن مثل كفتى الميزان، كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه
3- من عقل قنع بما يكفيه، و من قنع بما يكفيه استغنى
4- قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، و كثير العمل من أهل الهوى و الجهل مردود.
5 - إنا أهل بيت حج صرورتنا، و مهور نسائنا و أكفاننا من ظهور أموالنا.
6- عونك للضعيف من أفضل الصدقة
7- من كف غضبه عن الناس كف الله عنه عذاب يوم القيامة.
8- من بذر و أسرف زالت عنه النعمة.
9- ما من شيء تراه عيناك إلا و فيه موعظة
10- من حسن بره بإخوانه و أهله مد في عمره
مأجورين
في ميزان حسناتك اخي الكريم
عاشق الامام الكاظم