|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,061
|
|
بمعدل : 0.52 يوميا
|
|
|
|
|
|
المنتدى :
منتـدى سيرة أهـل البيت عليهم السلام
نموذج الخطاب الوعظيّ لزين من العابدين (ع)
بتاريخ : اليوم الساعة : 08:08 AM
هنا نموذجاً واحداً من مواعظ الإمام عليّ بن الحسين (ع) بروايّة ثقة الإسلام الكليني في (روضة الكافي)، ويرويه أيضاً حسن بن عليّ بن شعبة الحرّاني في (تحف العقول)، والصدوق في (الأمالي).
نصّ الخطاب:
روى ثقة الإسلام الكلينيّ في الروضة بسنده المتصل إلى سعيد بن المسيّب، قال: كان عليّ بن الحسين (ع) يعظ الناس، ويزهّدهم في الدنيا، ويرغّبهم في الآخرة في كلّ جمعة في مسجد رسول الله، وقد حُفِظَ عنه وكُتب عنه، وكان يقول فيما يقول:
(أيّها الناس! إتّقوا الله، واعلموا أنّكم إليه ترجعون، فتجد كلّ نفس ما عملت في هذه الدنيا من خير محضراً، وما عملت من سوء، تودّ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ويحذّركم الله نفسه.
ويحك يا ابن آدم الغافل وليس بمغفول عنه. يا ابن آدم! إن أجلك أسرع شيء إليك، قد أقبل نحوك حثيثاً، يطلبك، ويوشك أن يدركك، وكأنّ قد أوفيت أجلك، وقبض الملك روحك، وصرت إلى قبرك وحيداً، فَرُدّ إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكان ناكر ونكير لمساءلتك وشديد امتحانك.
ألا وإن أوّل ما يسألانك عن ربّك الذي كنت تعبده، وعن نبيّك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولّاه، ثمّ عن عمرك فيما كنت أفنيته، ومالك من أين اكتسبته، وفيما أنت أنفقته.
فخذ حِذرك، وانظر لنفسك، وأعِدِ الجواب قبل الامتحان والمساءلة والاختبار، فإن تكُ مؤمناً عارفاً بدينك، متبعاً للصادقين، موالياً لأولياء الله، لقّاك الله حجّتك، وأنطق لسانك بالصواب، وأحسنت الجواب، وبُشّرت بالرضوان والجنّة من الله عزّ وجلّ، واستقبلتك الملائكة بالروح والريحان، وإن لم تكن كذلك، تلجلج لسانك، ودحضت حجّتك، وعييت عن الجواب، وبُشّرت بالنار، واستقبلتك ملائكة العذاب بنُزل من حميم وتصليّة جحيم.
واعلم يا ابن آدم، إن من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس، وذلك يوم مشهود، يجمع الله عزّ وجلّ فيه الأوّلين والآخرين، ذلك يوم يُنفخ في الصور، وتُبعثر فيه القبور، وذلك يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، وذلك يوم لا تقال فيه عثرة، ولا يؤخذ من أحد فدية، ولا تُقبل من أحد معذرة، ولا لأحد فيه مستقبل توبة، ليس إلا الجزاء بالحسنات والجزاء بالسيّئات.
فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرّة من خير وجده، ومن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرّة من شرّ وجده.
فاحذروا أيّها الناس من الذنوب والمعاصي، ما قد نهاكم الله عنها، وحذّركموها في كتابه الصادق والبيان الناطق، ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده، عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللّذات في هذه الدنيا، فإن الله عزّ وجلّ يقول: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ (الأعراف: 201).
وأشعروا قلوبكم خوف الله، وتذكّروا ما قد وعدكم الله في مرجعكم إليه من حسن ثوابه، كما قد خوّفكم من شديد العقاب.
فإنّه من خاف شيئاً حذره، ومن حذر شيئاً تركه.
و لا تكونوا من الغافلين المائلين إلى زهرة الدنيا الذين مكروا السيئّات، فإن الله يقول في محكم كتابه: أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ [النحل: 45- 47]
فاحذروا ما حذّركم الله بما فعل بالظلمة في كتابه، ولا تأمنوا أن ينزل بكم بعض ما تواعد به القوم الظالمين في الكتاب.
والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم، فإن السعيد من وُعظ بغيره، ولقد أسمعكم الله في كتابه ما قد فعل بالقوم الظالمين من أهل القرى قبلكم حيث قال: وَ كَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً [الأنبياء: 11].
وإنما عنى بالقريّة أهلها حيث يقول: وَ أَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ [الأنبياء: 11]، فقال عزّ وجلّ: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ [الأنبياء: 13- 15].
وأيم الله، إن هذه عظة لكم وتخويف إن اتّعظتم وخفتم، ثمّ رجع القول من الله في الكتاب على أهل المعاصي والذنوب فقال عزّ وجلّ: وَ لَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ [الأنبياء: 46]
فإن قلتم أيّها الناس: إن الله عزّ وجلّ إنما عني بهذا أهل الشرك. فكيف ذلك وهو يقول: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ (الأنبياء: 47).
إعلموا عباد الله، إن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين، ولا ينشر لهم الدواوين، وإنما يُحشرون إلى جهنم زُمراً، وإنما تُنصب الموازين وتُنشر الدواوين لأهل الإسلام.
فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن الله عزّ وجلّ لم يحبّ زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه، ولم يرغّبهم فيها وفي عاجل زهرتها وظاهر بهجتها، وإنّما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيّهم أحسن عملًا لآخرته، وأيم الله، لقد ضرب لكم فيه الأمثال، وصرّف الآيات لقوم يعقلون، ولا قوة إلا بالله.
فازهدوا فيما زهدكم الله عزّ وجلّ فيه من عاجل الحياة الدنيا، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول وقوله الحقّ: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: 24].
فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكّرون، ولا تركنوا إلى الدنيا، فإن الله عزّ وجلّ قال لمحمد (ص): وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: 113]، ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، فإنّها دار بلغة ومنزل قلعة ودار عمل، فتزودوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرق أيامها، وقبل الإذن من الله في خرابها، فكان قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها، وهو ولي ميراثها، فأسأل الله العون لنا ولكم على تزود التقوى والزهد فيها، جعلنا الله وإياكم من الزاهدين في عاجل زهرة الحياة الدنيا، الراغبين لأجل ثواب الآخرة، فإنما نحن به وله ، وصلى الله على محمّد النبي وآله وسلّم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) . تأمّلات حول الخطاب:
يقول الإمام عليّ بن الحسين (ع) في مستهلّ خطابه: (اتّقوا الله، واعلموا أنّكم إليه ترجعون، فتجد كلّ نفس ما عملت من خير محضراً، وما عملت من سوء، تودّ لو أنّ بينها وبينه أمداً بعيداً).
هذا الخطاب مقتبس من قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ، تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً، وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ. [آل عمران: 30].
والآيّة الكريمة تشير إلى حقيقة هامّة، وهي حضور الأعمال بنفسها يوم القيامة، فإنَّ لعمل الإنسان ظاهراً وباطناً، والذي يعرفه الناس من عملهم في الدنيا هو ظاهر العمل، وأمّا باطن أعمّالهم فيتعرفون عليه في الآخرة… ولعلّ الآيّة الكريمة من سورة النساء تشير إلى هذا المعنى:
إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. [النساء: 10] … إن الذين يأكلون أموال اليتامى يرون أنّهم يأكلون الدرهم والدينار والذهب والفضة…، إلا إنّهم في الحقيقة يأكلون النار الحارقة ولا يشعرون، فإن باطن هذه الدراهم والدنانير التي يأكلونها النار، غير أنهم لا يشعرون بذلك في الدنيا.
فإذا ماتوا وجدوا أعمّالهم بباطنها وحقيقتها قد سبقتهم إلى الحياة الآخرة فتحضر لهم أعمّالهم يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ …
وعندئذٍ يتمنّى الإنسان أن يكون بينه وبين سيّئات أعماله أمداً بعيداً، ولكنّها تلتصق به التصاقاً شديداً، لا تفارقه قطّ، ولا يجد سبيلًا للتخلّص منها.
يقول تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. [الزلزلة: 7- 8].
وآيّة سورة الزلزلة واضحة في أنَّ الإنسان يقدم على عمله، ويرى عمله يوم القيامة.
فينعم الصالحون يومئذٍ بأعمّالهم الصالحة، ويشقى الفاسقون بأعمّالهم السيئة. الغافل غير المغفول عنه:
ثم يحذّر الإمام الناس عن الغفلة، ويصفهم بهذا الوصف المثير: (ويحك يا ابن آدم الغافل، وليس مغفولًا عنك)، وهو وصف ينطبق انطباقاً دقيقاً على كثير من الناس. يعيشون في غفلة تامة عن الله، وعن الموت وعن أنفسهم، وكأنّه ليس من ورائهم حساب على أعمالهم، ولا ينفذ أجلهم …. وكل لحظة تمر عليهم يقتطع الزمان من عمرهم قطعة لا تعود إليهم أبداً … ولو علموا أنّهم غير مغفول عنهم إذا غفلوا، حافظوا على وعيهم وانتباههم.
فيحذّرهم الإمام من هذه الغفلة القاتلة، ويقول: (يا ابن آدم الغافل، وليس مغفولًا عنه)، وهذا أضعف ما يمكن أن يكون عليه المقاتل في ساحة القتال يغفل عن عدوّه، وعدوّه يرصده رصداً دقيقاً ولا يغفل عنه.
والإنسان الغافل يعيش في الدنيا بين رصدين، عدوّ يرصده وهو الشيطان لينقضَّ عليه، في لحظات الغفلة فيهلكه، ورقيب يرقبه ويرصد أعماله، ليحاسبه على أعماله يوم يلقى الله، ولا تخفى عليه خطرات قلبه وكوامن نفسه، وهو اقرب إليه من حبل الوريد، ومن العجب أن يعيش الإنسان بين هذا الرصد وذلك الرصد غافلًا.
مواقف السؤال:
ثمّ ينتقل الإمام (ع) إلى مواقف السؤال، وخير ما ينبّه الغافلين من غفلاتهم تذكيرهم بمواقف السؤال، وهي أشقّ المواقف على الإنسان منذ أن يفارق الإنسان الدنيا … وأوّل موقف من مواقف السؤال عندما يضعه أهله وأحبته في حفرته ثمّ يتفرّقون عنه، ويتركونه وحيداً.
يقول الإمام (ع): (قد قبض الملك روحك، وصيّرك إلى قبرك وحيداً، تُرَدُّ إليك روحك، واقتحم عليك ملكان (ناكر) و (نكير) لمساءلتك وشديد امتحانك).
وما أشد وقع المساءلة على الإنسان، إذا كان لم يعدّ نفسه من قبل لمثل هذه المسائلة … ولو أن الإنسان يعي أن من وراء كلّ عمل من أعماله سؤالًا وحساباً لم يستسلم للغفلة، وحاسب نفسه، قبل أن تحاسبه ملائكة السؤال والحساب.
وأوّل سؤال تسأله ملائكة الحساب عن عقائده (عن ربّك الذي كنت تعبده، وعن نبيّك الذي أرسل إليك، وعن دينك الذي كنت تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولّاه).
فإن الإيمان بالله ورسوله وملائكته ودينه والولايّة لأولياء الأمر هو الأساس الذي يصدر عنه العمل، والعمل الذي يصدر عن غير أساس، مبتور، لا قرار ولا قيمة له.
ولا بدّ من أن يبني الإنسان أعماله على أساس محكم من الإيمان، ويبني إيمانه على أساس من الحجّة.
والإيمان الذي لا يعتمد على الحجّة والدليل لا قيمة له عند المساءلة والحساب، كما أن العمل الذي يصدر من غير الإيمان لا قيمة له …
ولأمر ما يعقّب القرآن العمل الصالح بالإيمان فإن العمل الصالح ثمرة الإيمان، ولا ينفكّ عنه، ولن يكون الإيمان عقيماً، والعمل الصالح لا يصدر إلا عن الإيمان، وكل عمل يصدر من غير إيمان واعتقاد قائمين على الحجة والدليل، فاقد للقيمة الأساسيّة في العمل الصالح، فإن العمل الصالح ليس جهداً صالحاً فقط، كيفما كان مصدر هذا الجهد ومبعثه، وإنّما تقوّمه النيّة الصالحة، وهذا هو الشطر الثاني من مقوّمات العمل الصالح.
والنيّة الصالحة، بالنظرة الدقيقة الكلية، تعتمد على الإيمان القائم على الحجة والدليل وهذا هو الشطر الثالث من مقوّمات العمل الصالح.
(1) الصلاح، (2) النيّة، (3) الإيمان:
إذن السؤال يتمّ على محورين لا يعفى عنهما الإنسان: الإيمان والعمل.
يقول زين العابدين (ع) عن المحور الثاني (وعن عمرك فيما أفنيته، وعن مالك فيما أنفقته).
الهول الأكبر من أهوال ما بعد الموت: وهو هول يوم القيامة يوم يحشر الناس كالجراد المنتشر.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (القمر: 6- 8).
وأيّ يوم رعيب هذا اليوم الذي يمتدّ على الناس في مواقف الحساب خمسين ألف سنة، وأيّ حساب عسير هذا الحساب فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ وَ لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً [لمعارج: 4- 10]!
ويحشر الناس يومئذ، ولا يسأل حميم عن حميم، وينتشرون كالفراش المبثوث، هَمّ كلّ واحد منهم أن يتخلّص من عذاب جهنّم، ويعبر الصراط إلى الجنة.
ونقرأ سورة القارعة، فتقف كلّ شعرة في جسم الإنسان، إذا قرأها حقّ قراءتها، من هول ذلك اليوم الرهيب.
الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَ ما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ وَ ما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ [ (سورة القارعة].
ويضرب الناس في ذلك اليوم الرهيب زلزال عظيم يفقد الناس فيه صوابهم، ويمسون وكأنّهم سكارى، وما هم بسكارى، ولكن هول ذلك اليوم الرهيب يفقدهم الصواب، فيتراءى لمن يراهم أنّهم سكارى، وما هم بسكارى، ولكنّ
عذاب الله شديد يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحجّ: 1- 2].
ولا يمرّ على الإنسان هول أعظم من هذا الهول الذي يصيب الناس يوم الزلزال الأكبر، وناهيك في ذلك أنَّ العظيم تبارك وتعالى يعبّر عن زلزال هذا اليوم بأنّه (شيء عظيم) …
في هذا الزلزال تذهل المرضعة عمّا أرضعت، وهو أكثر ما يمكن أن يتصوّره الإنسان من الهول الذي يصيبه، حتى تذهل المرضعة عمّا أرضعت … أعاذنا الله من هول ذلك اليوم بظِلال أمنه الذي يرزق عباده الصالحين، ولسنا منهم، ولكنّنا نرجو أن يعاملنا بفضله ولطفه، وليس بعدله.
ونقرأ آيات سورة المعارج فتمتلئ قلوبنا رهبة وهيبة من ذلك اليوم الرهيب الذي يمتدّ خمسين ألف سنة … كلّه حساب ومساءلة، يمتدّ هذا الزمن الطويل، وكلّه رهبة وخوف، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر.
وليس ببعيد ذلك اليوم الرهيب ولكنّ الناس عنه في غفلة وسبات. يومئذ تكون السماء كالمهل (النحاس المذاب) من شدّة الحرّ الذي تصبّه عليهم السماء، أو الزيت الذي يغلي من شدّة الحرّ، والجبال يومئذ كالصوف المنفوش وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ [المعارج: 9].
وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ [القارعة: 5].
والصوف المنفوش الصوف الذي فقد تماسكه وأصبح هشّاً بعد تصلّب، ولعلّ ذلك من أثر الزلزال العظيم الذي تصيب ساحة الحشر فتهتزّ له الجبال هزّات قويّة، فتكون كالعهن المنفوش.
وكلّ إنسان مشغول بشأنه في ذلك اليوم العسير، لا يسأل حميم عن حميم.
يومئذ يودّ المجرم لو يدفع عذاب ذلك اليوم عنه بأعزّ من يعرف من أهله وأبنائه وزوجته وإخوانه وعشيرته، ومن في الأرض جميعاً وينجو بذلك من عذاب الله … ولكن هيهات (كلّا).
ثمّ تقرّر آيات المعارج هذه الحقيقة المرّة (أنّها لظى) تتلظّى، وتلتهب على المجرمين وتنزع من شدة الحر جلود رؤوسهم نَزَّاعَةً لِلشَّوى.
ولنقرأ هذه الآيات من سورة المعارج، وهي كما قلنا في الآيات التي تلوناها من قبل من سورة القارعة إذا أعطاها الإنسان حقّها من القراءة والوعي تقف عند قراءتها كلّ شعرة في جسمه من هول ذلك اليوم: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ وَ لا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ وَ فَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى وَ جَمَعَ فَأَوْعى [المعارج: 1- 18].
يقول الإمام عليّ بن الحسين (ع) عن هذا اليوم المهيب، وعن هذا الهول الأعظم: (واعلم أن من وراء هذا (يعني مسألة القبر والبرزخ) أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة، ذلك يوم مجموع له الناس …).
التحذير من المعاصي:
ثمّ يحذّرهم الإمام ذنوبهم وآثارهم وتبعاتها السيّئة على دنياهم وآخرتهم ومعاشهم ومعادهم. (فاحذروا) أيّها الناس من المعاصي، ما قد نهاكم الله عنه، وحذّركموها في كتابه الصادق الناطق، ولا تأمنوا مكر الله وتحذيره وتهديده عندما يدعوكم الشيطان اللعين إليه من عاجل الشهوات واللّذات في هذه الدنيا … فاشعروا قلوبكم خوف الله، وتذكّروا ما وعدكم في مرجعكم إليه من حسن ثوابه، كما خوّفكم من شديد عقابه.
يقول سبحانه: أَ فَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [النحل: 45].
إن للذنوب آثاراً سيّئة في دنيا الناس ومعاشهم وآثاراً أسوأ في معادهم وآخرتهم.
أمّا ما يتعلّق بدنيا الناس فإن للذنوب والسيئات آثاراً تخصّ العاملين بها.
وهناك ذنوب ترتكب من ناحيّة المجتمع، وتشيع في أوساط الناس، دون أن يقابلها إنكار للمنكر بحجم الذنوب والمعاصي، وبحجم الأمّة … عندئذ العذاب ينزل على الأمّة كلّها، وليس على المذنبين والعاصين بالخصوص، وهو قوله: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [الأنفال: 25].
والعقوبات التي تخصّ هذه الذنوب إبتلاءات ومصائب عامّة وسقوط حضاري، كما يحدّثنا القرآن في الأمم السابقة، وكما عرفنا في عصرنا ذلك في سقوط دولة الإلحاد في الاتحاد السوفيتي السابق.
يقول تعالى: فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [الأنعام: 6].
وفي قوم نوح يقول تعالى: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا [نوح: 25].
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ [البقرة: 59].
والمعلوم أن الرجز الذي نزل من السماء عمّ الجميع، وأن الجميع لم يكونوا من الظالمين، فعمّهم العذاب، عندما شاعت فيهم الذنوب، وانقطع فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا [النمل: 52].
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها [الشمس: 14].
وأمّا الذنوب التي لا تعمّ المجتمع، فهي التي يقابلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنّها تكون بحجم المعصيّة وبحجم العاملين بالمعصية، والعذاب في مثل هذه الذنوب يقع على المذنبين خاصّة، كما ذكرنا.
يقول تعالى: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30].
فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ [آل عمران: 25].
ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة: 281].
هذا كلّه فيما يصيب الناس من عقوبة في معاشهم ودنياهم على ذنوبهم …
وأمّا ما يتعلّق بعقوبات الآخرة فإنّها لا تنزل إلا على العصاة والمذنبين خاصّة، وبقدر ذنوبهم ومعاصيهم لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164].
ذلك أن يوم القيامة يوم الفصل، يفصل فيما بين الناس فلا يتحمّل بريء عقوبة المجرمين.
وهذه العقوبات هي التي تحدّثنا عنها في العنوان السابق (الهول الأكبر) يوم القيامة.
يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ أَخِيهِ وَ فَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ كَلَّا إِنَّها لَظى نَزَّاعَةً لِلشَّوى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى وَ جَمَعَ فَأَوْعى [المعارج: 11- 18].
هذه العقوبة تخصّ المجرمين فقط يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وهذه العقوبة تدعو فقط من أدبر وتولّى وجمع فأوعى. السعيد من وُعِظَ بغيره:
ويحذّرهم الإمام (ع) أن يكونوا عظة للآخرين … وإنّما على المؤمن أن يتّعظ بالآخرين، ولا يكون موعظة لهم (فاحذروهم ما حذّركم الله بما فعل الظَّلَمة في كتابه … والله لقد وعظكم الله في كتابه بغيركم، وإن السعيد من وعظ بغيره) إنّ الله تعالى يعظنا في كتابه بالأشقياء من الناس، الذين أسقطتهم سيّئاتهم وظلمهم في الهاوية …
فعلينا أن نتّعظ بهم، ونحذر أن نقع فيما وقعوا فيه، فإن شقائهم وسقوطهم لنا موعظة ودرس، علينا أن نستفيد منه … وحذار حذار أن يكون المسلم هو نفسه درساً وموعظة للآخرين … إذا لم ينتفع هو بسقوط الظالمين والمذنبين وشقاوتهم من قبل.
(فكونوا أيّها المؤمنون من القوم الذين يعقلون).
فإن الغفلة عن موارد العظة ممن جاء قبلنا من الناس تأتي بسبب تعطيل العقول … والعقول من المواهب الإلهيّة العظيمة، التي يخسرها الإنسان إذا عطلها كما يخسر الإنسان كلّما رزقه الله تعالى من المواهب، إذا عطّلها.
الركون إلى الدنيا والركون إلى الظالمين:
ويحذّرنا الإمام في خاتمة هذا الدرس عن ركونين، هما سبب الكثير من ابتلاءات الإنسان ومصائبه في هذه الدنيا والآخرة، وهو الركون إلى (الدنيا) والركون إلى (الظالمين):
يقول (ع): ولا تركنوا إلى هذه الدنيا وما فيها ركون من اتّخذها دار قرار ومنزل شيطان فإنّها دار قلعة ومنزل بلغة، ودار عمل.
وهذا هو الركون الأوّل.
والركون الثاني: الركون إلى الظالمين، فإن الله قال: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ [هود: 113].
هذا الركون وذلك الركون يستنزلان غضب الله وعذابه. الركون إلى الدنيا وزخرفها ومتاعها، يطيل أمل الإنسان في الدنيا، وطول الأمل في الدنيا يعادل دائما نسيان الموت والآخرة … وهما بمعنى الإعراض عن الله تعالى ونسيانه.
والدنيا، كما يقول الإمام (ع) ليست بدار قرار واستيطان، وإنّما هي منزل قلعة، سرعان ما يقلع الإنسان عنه، ومنزل بلغة، يبلغ بها وفيها ما قسم الله لعباده الصالحين في نعيم رضوانه وجناته.
فمن جعلها دار قرار واستيطان، استغرقته، وبقدر ما تستغرقه الدنيا يخسر الآخرة، والإعداد والتحضير لها.
والركون إلى الظالمين، بمعنى نفي الركون إلى الله، فلا يمكن أن يجمع الإنسان بين الركون إلى الله والثقة به والاطمئنان إلى الظالمين.
ولا يمكن أن يستشعر الإنسان الأمن والاطمئنان بجوار الله، وفي نفس الوقت يستشعر الأمن والاطمئنان بجوار أعداء الله.
إن الركون إلى الظالمين يسلب صاحبه الركون إلى الله بالتأكيد.
وما أشقى الإنسان وأعظم بؤسه إذا انتزع من نفسه وقلبه الركون إلى الله العلي الأعلى، واستبدله بالكون إلى الظالمين!
يقول تعالى: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ [هود: 113].
موقع الشيعة
| |
|
|
|
|
|