|
|
عضو فضي
|
|
رقم العضوية : 82198
|
|
الإنتساب : Aug 2015
|
|
المشاركات : 2,262
|
|
بمعدل : 0.55 يوميا
|
|
|
|
|
|
المنتدى :
المنتدى العقائدي
موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) من «فَدَك» إبان خلافته
بتاريخ : يوم أمس الساعة : 08:09 AM
فَلْسَفَةُ الْإِحْجَامِ عَنْ اسْتِرْجَاعِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ
دراسةٌ تأصيليةٌ نقديةٌ في موقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من «فَدَك» إبان خلافته وتفكيك شبهة الإلزام بالتعدية تبحث الدراسة موقف الإمام علي بن أبي طالب من عدم إعادة فدك إلى ورثة السيدة فاطمة الزهراء خلال خلافته، وتناقش شبهة اعتبار ذلك إقراراً بمصادرتها. وتعرض خمسة تفسيرات فقهية وكلامية وأخلاقية وتاريخية وسياسية، مستندة إلى روايات أهل البيت ونصوص تاريخية، وتخلص إلى أن عدم تقسيم فدك لا ينفي ملكيتها...
الملخص التحليلي:
تعالج هذه المقالةُ إحدى أبرز الشبهات الكلامية والتاريخية التي أُثيرت في التراث الجدلي وأُعيد تدويرها في الأدبيات المعاصرة حول قضية فَدَك؛ وهي شبهة الإلزام بالتعدية القائلة إن إحجام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) إبان خلافته عن إعادة فدك وتوزيعها ميراثاً خاصاً على أولاد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) يُلزم الإماميةَ إما بنفي أصل مظلومية الزهراء (عليها السلام) في انتزاع فدك، وإما بتعدية حكم المنع والظلم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).
وتنهض الدراسة على تفكيك هذه المغالطة عبر منهجٍ تركيبي يجمع بين التحقيق الفقهي السياسي، والتأويل الكلامي، والنقض الأصولي المقارن، والتحليل السوسيولوجي لبنية الدولة العلوية. وتخلص المقالة إلى أن الإشكال مبنيٌّ على مصادرةٍ مزدوجةٍ تخلط بين انتزاع الغاصب من يد المالك الشرعي وتصرف الوليّ المالك في العين بعد عودتها إلى يده، وأن موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) انتظم في خمس حِكَمٍ تشريعية واستراتيجية متكاملة: أولها تحقق اليد الفعلية على فدك بعد استردادها من إقطاع مروان بن الحكم وصرف عوائدها في مصارفها الشرعية التي كانت الزهراء (عليها السلام) تصرفها فيها؛ وثانيها الحفاظ على الثواب الأخروي والرمزية الجنائية والتاريخية للمظلومية كما في صحيحة أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام)؛ وثالثها تنزيه مقام الخلافة عن شبهة التربّح الأسري واستغلال النفوذ كما في رواية ابن فضّال عن الإمام الكاظم (عليه السلام) ورسالة ابن حنيف؛ ورابعها الاقتداء النقضي والتشريعي بسنة النبي (صلى الله عليه وآله) في فتح مكة حين ترك استرجاع داره التي باعها عقيل بن أبي طالب كما في الصحيحين ورواية إبراهيم الكرخي؛ وخامسها مراعاة فقه الموازنات العليا لتفادي تفكك الجبهة العسكرية في ظل استحكام السنن الموروثة كما فصّلته خطبة الإمام (عليه السلام) في الكافي.
المدخل المنهجي: تحرير الإشكالية الكلامية وتفكيك البنية المنطقية لشبهة الإلزام بالتعدية
لم تكن قضيةُ فَدَك في وعي المدرسة الإمامية وفي حركة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مجرد نزاعٍ عقاري أو خصومةٍ ماليةٍ على بستانٍ في الحجاز، بل كانت في جوهرها الدستوري والكلامي الميدانَ البرهاني الأول الذي تجلّى فيه الصراع بين شرعية النص النبوي وشرعية الأمر الواقع غداة سقيفة بني ساعدة (1). ولمّا كانت الحجج القرآنية والحديثية التي أقامتها الصديقة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الفدكية الكبرى قد نقضت الأساس التشريعي لاحتجاج السلطة بحديث «لا نورث ما تركناه صدقة» — لمصادمته الصريحة لعمومات آيات المواريث في كتاب الله تعالى كقوله سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (النساء: ١١) وخصوصيات إرث الأنبياء كقوله عز وجل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (النمل: ١٦) وقوله تعالى حكايةً عن زكريا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (مريم: ٥–٦) —، فقد لجأ خصومُ المدرسة الإمامية عبر القرون إلى استراتيجيةٍ جدليةٍ بديلة، تحاول الالتفاف على أصل البحث في مشروعية المصادرة الأولى عبر إثارة إشكالٍ إلزامي متأخر زمنياً يتعلق بموقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من فدك حين آلت إليه الخلافة سنة ٣٥ للهجرة.
أولاً: تحرير نص الشبهة من مصادرها الجدلية التراثية والمعاصرة
تتلخص هذه الشبهة —التي صاغها قديماً ابن تيمية الحراني في منهاج السنة النبوية (2)، وأعاد إنتاجها في العصر الحديث عددٌ من الكتّاب الجدليين، وفي مقدمتهم عثمان الخميس في خاتمة كتابه حقبة من التاريخ— في محاولة صياغة قياسٍ إلزامي ذي حدّين بوجه الشيعة الإمامية؛ إذ يقول صاحب حقبة من التاريخ بنصه: «والعجيب في هذا الأمر أنه بعد وفاة الصديق استُخلف عمر بن الخطاب ثم عثمان ثم استُخلف علي؛ فلو فرضنا أن فدك لفاطمة سلام الله عليها — سواء كانت إرثاً أو هبةً — فهي تدخل في ملك فاطمة، وهي ماتت بعد النبي صلى الله عليه وآله بستة أشهر، فإلى من تذهب فدك؟ تذهب إلى الورثة. ولما استُخلف علي رضي الله عنه لم يُعطِ فدك لأولاده! فإن كان أبو بكر ظالماً وعمر ظالماً وعثمان ظالماً لأنهم —كما يقول الشيعة— منعوا فدك أهلها، فلماذا لا يتعدى الحكم إلى علي؟ لأنه منع فدك أهلها ولم يعطها لأولاد فاطمة!»(3).
ثانياً: التفكيك المنطقي والأصولي لمغالطة الإلزام بالتعدية
عند إخضاع هذا النص لمبضع النقد، يتبين أنه ينطوي على مغالطةٍ قياسيةٍ فاضحة تُعرف في علم المنطق بمغالطة التشبيه في غير موضع العلة أو القياس مع الفارق الجوهري. فالمستدلّ يفترض أن العلة في تخطئة الشيعة للخليفة الأول هي مجرد عدم قسمة عين فدك بين ورثة فاطمة بعد وفاتها، ثم يقيس على ذلك موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) حين ولي الخلافة! وهذا تمويهٌ مركّب من ثلاث جهاتٍ برهانية قاطعة:
الجهة الأولى (الفارق بين الغصب الابتدائي والإحجام اللاحق): أن المصادرة الأولى كانت انتزاعاً قهرياً لعينٍ مملوكةٍ من يد مالكها الشرعي المباشر —وهي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي كانت يدُها ووكلاؤها ثابتَيْن على فدك في حياة أبيها المصطفى (صلى الله عليه وآله) باعتراف المفسرين والمحدثين كافة في ذيل آية ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (الإسراء: ٢٦) (4)—؛ بينما موقف أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ربع قرنٍ من المصادرة وتبدّل الأيدي وتغيّر الظروف السياسية لم يكن انتزاعاً لحقٍّ من مالكه، بل كان تنظيمَ تصرفٍ من الوليّ الشرعي الذي هو نفسه أحد الورثة وأبو سائر الورثة ووليُّهم الشرعي باتفاقهم ورضاهم.
والجهة الثانية (انعدام موضوع الظلم عند رضا صاحب الحق): أن الظلم في التعريف العقلي والفقهي هو التصرف في ملك الغير بغير إذنه ولا رضاه؛ فكيف يُتصور الظلمُ من أمير المؤمنين (عليه السلام) لأولاده (الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم عليهم السلام)، وهم معدنُ طاعته، وشركاؤه في القرار الرسالي، والراضون بتدبيره جملةً وتفصيلاً؟! إن قياسَ من انتزع الأرضَ من فاطمة (عليها السلام) قهراً حتى ماتت واجدةً غاضبةً عليه بنص صحيح البخاري(5)، على من أدار شأن الوقف والميراث بالتوافق التام مع أولاده الأطهار، هو قياسٌ بين الضدين لا يستقيم في عقلِ مبتدئٍ فضلاً عن محقق.
والجهة الثالثة (الخلفية التاريخية المتكاملة للأجوبة الخمسة): أن تراث مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) لم يترك هذا السؤال معلقاً في الفضاء النظري، بل أجاب عنه الأئمةُ المعصومون — بدءاً من أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه في خطبته في الكافي ورسالته في نهج البلاغة، ومروراً بالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والإمام موسى الكاظم (عليه السلام) — بخمسة أجوبةٍ محكمةٍ تكشف الأبعاد الفقهية، والأخروية، والأخلاقية، والنقضية، والسياسية لهذا الموقف. وتتوزع مباحث هذه المقالة الخمسة لاستقصاء هذه الأجوبة وتحقيق أسانيدها ومتونها ودلالاتها الفلسفية.
المبحث الأول: التأصيل الفقهي والسياسي للولاية العامة: فدك بين الملكية الموروثة واليد الولائية العليا
ينطلق الجوابُ الأول من تحرير الواقعة التاريخية والفقهية المتعلقة بمصير فدك حين آلت الخلافةُ إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ إذ يوهم طارحو الشبهة القارئَ بأن فدك ظلت في عهد الإمام علي (عليه السلام) خارج يده وتحت سلطة غاصبيها، أو أن الإمام منع عوائدها عن مستحقيها! والحقيقة التاريخية الثابتة في مصادر الفريقين تنقض هذا الوهم من أساسه.
أولاً: المسار التاريخي لملكية فدك من إقطاع مروان بن الحكم إلى استرداد الإمام علي (ع)
من الثابت تاريخياً أن الخليفة الأول حين انتزع فدك من يد السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أدرجها في صدقات رسول الله العامة الخاضعة ليد الخليفة وتصرفه المباشر. غير أن هذا التكييف سرعان ما نقضته السلطةُ نفسها في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان؛ إذ أقطع عثمانُ فدك لمروان بن الحكم (طريد رسول الله وابن طريده) هبةً وإقطاعاً خاصاً، كما وثّق ذلك أئمة التاريخ والأنساب والحديث من أهل السنة، كابن قتيبة الدينوري في المعارف، والبيهقي في السنن الكبرى، وأبي الفداء في المختصر في أخبار البشر (6).
ولمّا بويع أمير المؤمنين (عليه السلام) بالخلافة، كان من أوائل قراراته السيادية في مشروعه الإصلاحي لردّ قطائع عثمان الجائرة أنه انتزع فدك من يد مروان بن الحكم وأعادها إلى حوزة ولايته الشرعية العليا (7). وبموجب هذا الاسترداد السيادي، أصبحت فدك في خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) تحت يده المباشرة وتصرفه المطلق بحكم منصبه الإلهي والتنفيذي كإمامٍ وخليفةٍ للمسلمين.
ثانياً: التكييف الفقهي: تحقق المقصود الجوهري للملكية الفاطمية تحت اليد العلوية
هنا يبرز السؤال الفقهي الدقيق: إذا كانت فدك قد عادت فعلياً إلى يد أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد انتزاعها من مروان بن الحكم، فما الذي تركه الإمام (عليه السلام) إذن؟ الجواب الحاسم هو أن الإمام (عليه السلام) استردّ فدك من الغاصبين فعلاً ووضع يده عليها، ولكنه ترك مجرّد التسجيل الاسمي الصوري لها كملكيةٍ عقاريةٍ شخصيةٍ مقسومةٍ بين أولاده، وأبقى ريعها وعوائدها في ذات المصرف الذي كانت السيدة الزهراء (عليها السلام) تصرفها فيه! فالسيدة الزهراء (عليها السلام) حين كانت فدك بيدها في حياة أبيها (صلى الله عليه وآله) لم تكن تكتنز غلاتها لنفسها ولا لترفهٍ دنيوي —وحاشاها وهي سيدة أهل الإيثار في سورة الإنسان ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ (الإنسان: ٨)—، بل كانت تأخذ منها قوتَ سنتها وتوزع الفائض كله في سبيل الله (8).
وعليه، فحين صارت فدك في يد أمير المؤمنين (عليه السلام) إبان خلافته، صار الإمام هو المتولي لجبايتها وصرف عوائدها في مصارفها الإلهية ولسدّ حاجات بني هاشم والفقراء والمجاهدين؛ فتحقق بذلك الاسترجاع الموضوعي والمقصدي لفدك على نحو الكمال، ولم يبقَ إلا «العنوان الشكلي للقسمة العقارية الخاصة» الذي اقتضت الحِكَمُ العليا —الآتي بيانها في المباحث اللاحقة— عدمَ إثارته في ذلك الظرف العصيب
ثالثاً: شهادة أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة (وثيقة عثمان بن حنيف)
يؤكد هذا المعنى الفلسفي العميق ما سطّره أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه في كتابه الشهير إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري في نهج البلاغة؛ إذ استحضر الإمامُ قضيةَ فدك شاهداً على جمع أهل البيت بين ثبوت الحق الشرعي والزهد السيادي المتعالي عن حطام الدنيا، فقال (عليه السلام): «بَلَى! كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ! وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكَ وَغَيْرِ فَدَكَ، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ، تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا، وَتَغِيبُ أَخْبَارُهَا، وَحُفْرَةٌ لَوْ زِيدَ فِي فُسْحَتِهَا وَأَوْسَعَتْ يَدَا حَافِرِهَا لَأَضْغَطَهَا الْحَجَرُ وَالْمَدَرُ، وَسَدَّ فُرَجَهَا التُّرَابُ الْمُتَرَاكِمُ!»(9).
إن هذه الوثيقة العلوية البليغة تحسم الجدل من جذوره؛ فأمير المؤمنين (عليه السلام) في أوج خلافته يقرّر أربع حقائق قطعية: الأولى: أن فدك كانت في أيدينا ملكاً شرعياً ثابت اليد لأهل البيت (عليهم السلام)؛ والثانية: أن الذين انتزعوها شحّت عليها نفوسُهم حسداً واعتداءً؛ والثالثة: أن أهل البيت (عليهم السلام) سخت عنها نفوسُهم ترفعاً وزهداً بعد أن أدّت المطالبةُ بها وظيفتها الكاشفة؛ والرابعة: أن المحاكمة في فدك لم تُطوَ ولم يُتنازل عن أصلها الجنائي، بل أُحيلت إلى المحكمة الإلهية العليا بقوله: «ونعم الحكمُ الله! وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غدٍ جدث».
المبحث الثاني: الفلسفة الأخروية والرمزية الجنائية للمظلومية: قراءة في صحيحة أبي بصير ومفهوم بقاء الشاهد التاريخي
إذا انتقلنا من التكييف الفقهي لليد إلى استنطاق النصوص المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في تعليل إحجام أمير المؤمنين (عليه السلام) عن القسمة الميراثية لفدك، يطالعنا الجوابُ الثاني المؤصَّل في رواية الثقة الجليل أبي بصير ليث البختري المرادي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، التي رواها الشيخ الصدوق.
أولاً: تحقيق النص الحديثي لصحيحة أبي بصير عن الإمام الصادق (ع)
روى الشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ) بإسناده عن أبي بصير أنه سأل أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) عن عين الإشكال الذي يثيره المشككون، فقال: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لِمَ لَمْ يَأْخُذْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَدَكَ لَمَّا وَلِيَ النَّاسَ؟ وَلِأَيِّ عِلَّةٍ تَرَكَهَا؟ فَقَالَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ): لِأَنَّ الظَّالِمَ وَالْمَظْلُومَ كَانَا قَدْ قَدِمَا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَثَابَ اللَّهُ الْمَظْلُومَ وَعَاقَبَ الظَّالِمَ، فَكَرِهَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) أَنْ يَسْتَرْجِعَ شَيْئاً قَدْ عَاقَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ غَاصِبَهُ وَأَثَابَ عَلَيْهِ الْمَغْصُوبَ» (10).
ثانياً: البعد الأخروي والأنطولوجي: استقرار المعادلة الجزائية في دار البقاء
يكشف هذا النص الصادقي العميق عن قانونٍ كلامي وأخروي بالغ الدقة؛ فالمظلومية في منظومة العدل الإلهي ليست حادثةً زمنيةً تنتهي بانتهاء أمدها الدنيوي، بل هي سجلٌّ استحقاقي مفتوح بين الظالم والمظلوم في محكمة الآخرة. وحين التحقت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بالرفيق الأعلى وهي واجدةٌ مغصوبةُ الحق، وهلك غاصبُ حقها على ما اقترفت يداه، انعقدت الخصومةُ الكبرى في ديوان العدل الإلهي، فترتّب عليها حكمان إلهيان: الأول هو الثواب العظيم والمقام التعويضي الذي خصّ اللهُ به الصديقة الشهيدة (عليها السلام) جزاءَ صبرها على غصب نحلتها وإرثها؛ والثاني هو العقاب الأخروي المسجّل على الغاصب جزاءَ مصادرته لما نحله رسول الله (صلى الله عليه وآله) لبضعته.
فلو عمد أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ربع قرنٍ إلى استيفاء عين الأرض استيفاءً دنيوياً خاصاً باسم الورثة، لكان ذلك بمثابة استيفاءِ البدل الدنيوي بعد استقرار العِوض الأخروي؛ وأمير المؤمنين (عليه السلام) —وهو سيّد العارفين بموازين الدنيا والآخرة— أجلُّ شأناً من أن يستبدلَ الذي هو أدنى (تراب فدك ونخيلها الفاني) بالذي هو خيرٌ وأبقى عند الله عز وجل من استمرار الحجة الأخروية والكرامة الإلهية لبضعة الرسول (صلى الله عليه وآله).
ثالثاً: البعد السيميائي والجنائي: إبقاء فدك جسمَ الجريمة وشاهدَ الغصب عبر القرون
إلى جانب البعد الأخروي الغيبي، ينطوي جواب الإمام الصادق (عليه السلام) على بُعدٍ فلسفي وسيميائي وتاريخي باهر: ذلك أن مطالبة السيدة الزهراء (عليها السلام) بفدك لم تكن غايتُها النهائية تحصيلَ التمر والشعير، بل كانت غايتُها الكبرى إقامة البرهان المادي المحسوس على اغتصاب الخلافة وإقصاء أهل البيت عن مقامهم الإلهي(11). فكانت فدك المغصوبة في الوعي الإسلامي العام بمثابة الوثيقة الجنائية الحية التي تشهد كلَّ يومٍ على أن السلطة التي منعت فاطمةَ (عليها السلام) أرضَها البسيطة هي ذاتُها السلطة التي اغتصبت من عليٍّ (عليه السلام) خلافةَ الأمة الكبرى.
تأمل بعين البصيرة: ماذا كان سيحدث في الذاكرة التاريخية لو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أصدر يوم توليه الخلافة مرسوماً إدارياً يقسم فيه بساتين فدك بين الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم؟ لكان مؤرخو السلطة ودعاة التبرير قد هللوا لذلك قائلين: ها قد انتهى النزاع التاريخي! لقد كان الخلاف بين فاطمة وأبي بكر مجرد سوء تفاهمٍ فقهي حول قطعة أرض، فلما جاء عليٌّ أعاد الأرض إلى أولاده، وطُويت الصفحة إلى الأبد! وبذلك كانت القضية الدستورية والكلامية الكبرى ستُختزل وتُدفن في تسويةٍ عقارية! أما حين أبقى أمير المؤمنين (عليه السلام) ملفَّ فدك مفتوحاً دون تسويةٍ شخصية — تماماً كما أبقى قبرَ فاطمة (عليها السلام) مجهولاً في جنح الليل دون شاهدٍ معلن —، فقد حفظ لجريمة المصادرة التأسيسية صفتَها البرهانية الخالدة إلى يوم القيامة؛ ليظلّ الظالمُ مداناً بغصبه، وتظلّ المظلومةُ حجةً دامغةً بمظلوميتها.
المبحث الثالث: أخلاقيات الحكم المعصوم وتنزيه الولاية عن شبهة التربّح الذاتي: قراءة في رواية ابن فضّال عن الإمام الكاظم (ع)
يتجلى البعدُ الثالث في الفلسفة الأخلاقية والدستورية للحكم العلوي؛ وهو البعد الذي أفصح عنه الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في جوابه المعمّق للحسن بن علي بن فضّال، والمنسجم تمام الانسجام مع السياق السياسي والاجتماعي لخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام).
أولاً: تحليل نص رواية الحسن بن علي بن فضّال عن الإمام الكاظم (ع)
روى الشيخ الصدوق بسنده عن الحسن بن علي بن فضّال قال: سألتُ أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): لأيّ علّةٍ ترك أمير المؤمنين (عليه السلام) فدكاً فلم يسترجعها لمّا ولي الناس؟ فقال (عليه السلام): «لِأَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نَأْخُذُ حُقُوقَنَا مِمَّنْ ظَلَمَنَا إِلَّا هُوَ، وَنَحْنُ أَوْلِيَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُمْ وَنَأْخُذُ حُقُوقَهُمْ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ، وَلَا نَأْخُذُ لِأَنْفُسِنَا!» (12). ثانياً: مبدأ فصل الذمة الولائية عن المصلحة الأسرية في المشروع الإصلاحي العلوي
يؤسس الإمام الكاظم (عليه السلام) في هذه القاعدة الدستورية «إنما نحكم لهم ونأخذ حقوقهم ممن ظلمهم ولا نأخذ لأنفسنا» أسمى معيارٍ لنزاهة الحاكم العام ومنع تضارب المصالح في الفقه السياسي الإسلامي. فالحاكم غير المعصوم حين يصل إلى سدة الحكم يبادر عادةً إلى استرداد أملاكه وتعويض أسرته وإغداق العطايا على ذوي قرباه؛ أما الإمام المعصوم فإنه حين يتبوأ منصب القضاء والولاية العامة يصير خصماً عن الأمة لا خصماً لنفسه، فيترفع عن استعمال سيف الدولة وخاتم الخلافة في اقتضاء حقٍّ مالي شخصي يعود لبيته وولده.
وتتضاعف خطورة هذا المبدأ حين نستحضر السياق التاريخي المباشر لخلافة أمير المؤمنين (عليه السلام): فقد جاء الإمام (عليه السلام) إلى الحكم عقب ثورةٍ عارمةٍ على السياسة المالية للخليفة الثالث عثمان بن عفان، الذي استأثر أقاربُه من بني أمية بفيء المسلمين وقطائع الأرضين (وكان على رأس تلك القطائع إقطاعُ فدك نفسها لمروان بن الحكم، وإقطاع خُمس إفريقية، ومنح بيت المال للأصهار والأقرباء). وقد أعلن أمير المؤمنين (عليه السلام) منذ اليوم الأول لخلافته بيانَه الإصلاحي الصارم في ردّ جميع قطائع عثمان إلى بيت مال المسلمين، قائلاً كلمته الخالدة: «وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسَاءُ، وَمُلِكَ بِهِ الْإِمَاءُ، لَرَدَدْتُهُ؛ فَإِنَّ فِي الْعَدْلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فَالْجَوْرُ عَلَيْهِ أَضْيَقُ!» (13).
ثالثاً: قطع الذرائع الدعائية أمام الجبهات الثلاث المعادية (الناكثين والقاسطين والمارقين)
في ظل هذه البيئة المشحونة، كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يواجه ثلاث جبهاتٍ عسكريةٍ ودعائيةٍ شرسة تتربص به الدوائر وتبحث عن أدنى شبهةٍ للطعن في عدله وإخلاصه: الجبهة الأولى هي جبهة الناكثين (أصحاب الجمل بقيادة طلحة والزبير وعائشة) الذين نقموا عليه مساواتهم بسائر المسلمين في العطاء ومنعهم من الامتيازات الخاصة؛ والجبهة الثانية هي جبهة القاسطين (معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وحزب الطلقاء في الشام) الذين سخّروا ماكينةً إعلاميةً هائلة لتشويه صورة الإمام (عليه السلام)؛ والجبهة الثالثة هي جبهة المارقين (الخوارج) الذين بلغ بهم الهوس الظاهري حدَّ محاكمة الإمام على كل صغيرةٍ وكبيرة.
فلو أن أمير المؤمنين (عليه السلام) —في الوقت الذي ينتزع فيه القطائع والأموال من طلحة والزبير وبني أمية ليردّها إلى بيت المال— أصدر قراراً بتحويل فدك (وهي في نظر الرأي العام المخدوع منذ خمسٍ وعشرين سنةً صدقةٌ عامةٌ للمسلمين بموجب قرار الخليفة الأول والثاني) إلى ملكيةٍ خاصةٍ لأولاده الحسن والحسين، لارتفعت عقيرةُ معاوية وعمرو بن العاص وأصحاب الجمل والخوارج بصوتٍ واحد: انظروا إلى عليٍّ! ينتزع أموال قريش باسم بيت المال، ثم يقتطع فدك لنفسه ولأولاده مستغلاً كرسي الخلافة! فكان إبقاءُ فدك في مصرفها العام دون تمليكٍ شخصي لأولاده ضربةً استباقيةً قاصمةً أسقطت في أيدي خصومه كلَّ ذريعةٍ للتشكيك في نزاهته المطلقة وترفّعه الكامل عن حطام الدنيا.
| |
|
|
|
|
|