العودة   منتديات أنا شيعـي العالمية منتديات أنا شيعي العالمية منتدى الاستضافات الشيعية منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام

منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام المنتدى مخصص لاستضافة الخطباء والرواديد والشعراء وكل خدمة الامام الحسين عليه السلام

إضافة رد
   
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع

الصورة الرمزية صدى المهدي
صدى المهدي
عضو فضي
رقم العضوية : 82198
الإنتساب : Aug 2015
المشاركات : 2,187
بمعدل : 0.54 يوميا

صدى المهدي غير متصل

 عرض البوم صور صدى المهدي

  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : منتدى الاستضافة الشيعية الخاصة بخدمة الامام الحسين عليه السلام
افتراضي سيكولوجية الفكر في موقف أبي الفضل العباس عند العلقمي
قديم بتاريخ : اليوم الساعة : 06:35 PM



قراءة في وعي الذات وسموّ المبدأ

موقف أبي الفضل العباس عند العلقمي بوصفه ذروة في وعي الذات وسمو المبدأ. فقد بلغ الماء وهو في أشد العطش، لكنه قدّم وفاءه للحسين على حاجة جسده. تكشف اللحظة عن انتصار الإرادة على الغريزة، وتحول الإيثار إلى وعي، والقربة إلى أمانة، والماء إلى امتحان خالد للإنسان وقيمه...

المقدمة

ليست بعض المواقف مما يُقرأ في حدود الحدث، ولا مما تستوعبه الرواية بوصفها خبرًا وقع في زمان ومكان؛ لأن ثمة مواقف تتجاوز لحظتها حتى تصبح صورة مكتملة للإنسان حين يبلغ أقصى درجات الوعي، وحين تتعرّى النفس من كل ما يمكن أن يستر حقيقتها.
ومن بين تلك المواقف يقف أبو الفضل العباس (عليه السلام) عند الفرات، لا بوصفه رجلًا بلغ الماء بعد مسير شاق فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا وقف أمام أكثر حاجاته التصاقًا بجسده، ثم اختار أن يجعل منها امتحانًا لروحه.
كان الماء قريبًا، وكان العطش حاضرًا، وكانت القربة تنتظر أن تُملأ؛ غير أن المسافة بين اليد والماء لم تكن هي المسافة الحقيقية في ذلك المشهد، بل كانت المسافة بين حاجة الجسد ونداء المبدأ.
وهنا تبدأ القراءة السيكولوجية الفكرية للموقف؛ إذ إن العباس (عليه السلام) لم يكن أمام عدو فحسب، بل كان أمام ذاته، أمام حاجتها، وأمام السؤال الذي قد يختصره ذلك المشهد كله: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح ما يحتاج إليه متاحًا، ولكنه يرى أن هناك من هو أولى به منه؟
إن الإجابة عند أبي الفضل لم تكن قولًا نظريًا، وإنما كانت موقفًا.
أولًا: حين يبلغ العطش منتهاه

العطش ليس فكرة، إنه إحساس يطرق الجسد بإلحاح، ويطالب بحقه دون أن يستأذن العقل أو يستشير المبدأ. وكلما اشتد العطش ضاقت مساحة التفكير، وأصبح الماء غاية تبدو وكأنها تختصر العالم كله.
ولهذا فإن عظمة موقف العباس (عليه السلام) لا تكمن في أنه لم يجد الماء، بل في أنه وجده.
فلو كان الماء بعيدًا، أو محالًا، لكان الامتناع عنه نتيجة للحرمان.
أما أن يكون الماء بين يديه، وأن يبلغ منه ما يكفيه، ثم لا يجعل منه نصيبًا لنفسه؛ فهنا يتحول الموقف من حالة حرمان إلى اختيار. وهذه هي النقطة التي تمنح المشهد بعده النفسي العميق.
فالجسد يقول: اشرب، لكن الروح التي تربت على الوفاء تقول: ليس الآن.
ثانيًا: عند الماء تبدأ مواجهة أخرى

لم تكن معركة العباس (عليه السلام) عند الفرات مع السيوف وحدها.
ثمة معركة أكثر خفاءً وأعمق أثرًا؛ معركة لا يسمع صليلها أحد، لأنها تدور في أعماق الإنسان.
إنها معركة الذات مع الذات.
ذات عطشى تقف أمام الماء، وذات أخرى ترى أن الماء لا ينبغي أن يتحول إلى نجاة شخصية في الوقت الذي يموت فيه الآخرون عطشًا.
وهنا يظهر مقام العباس (عليه السلام) في أصفى صوره؛ لأنه لم ينتصر على عدو خارجي فقط، وإنما انتصر على كل احتمال يمكن أن يجعل الذات مركزًا للموقف.
لقد خرج من حدود «أنا» إلى رحاب «الحسين».
ولذلك فإن قوله المنسوب إليه:
«يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني»
ليس مجرد بيت من الشعر، وإنما هو لحظة مواجهة مع الذات.
إنه خطاب الإنسان إلى نفسه حين يريد أن يضعها في موضعها الصحيح.
ثالثًا: «يا نفس»... حين يخاطب الإنسان أعماقه

ما أعمق أن يبدأ الخطاب بـ:
يا نفس
لم يقل: يا جسد، مع أن الجسد كان عطشانًا.
ولم يقل: يا عطش، مع أن العطش كان حاضرًا.
بل خاطب النفس؛ ذلك الموضع الذي تجتمع فيه الرغبة والإرادة، والحاجة والقرار.
وكأن العباس (عليه السلام) يقول لنفسه:
أعرف حاجتك، وأشعر بعطشك، ولا أنكر عليك ما تطلبين، لكن ثمة ما هو أسمى من حاجتك، وثمة إنسان صار بقاؤه عندك أغلى من بقائك.
ومن هنا تبدو عظمة العبارة؛ فهي لا تقوم على إنكار الطبيعة الإنسانية، بل على سمو الإرادة الإنسانية.
فليس العظيم من لا يعطش، وإنما العظيم من يعطش ولا يسمح لعطشه أن يهزم مبدأه.
رابعًا: الحسين (عليه السلام) في وعي العباس

لم يكن الحسين (عليه السلام) غائبًا عن تلك اللحظة.
لقد كان حاضرًا في الوعي، حاضرًا في الضمير، حاضرًا في كل معنى جعل الماء يفقد قيمته الشخصية أمام قيمة الوفاء.
وهنا لا يعود الحسين (عليه السلام) مجرد شخص يحبه العباس، بل يصبح مركزًا للمعنى الذي ينتظم حوله موقفه كله.
فحين يستحضر العباس عطش الحسين، لا يعود الماء مجرد ماء.
يتحول الماء إلى سؤال:
كيف أشرب وحسين عطشان؟
ومن هنا ينقلب معنى الأشياء.
الماء الذي كان قبل لحظات رمزًا للحياة، يصبح امتحانًا للوفاء.
والقربة التي امتلأت بالماء تصبح أمانة.
واليد التي وصلت إلى الفرات لا تعود يدًا تطلب لنفسها، وإنما يدًا تحمل ما يجب أن يصل إلى الآخرين.
خامسًا: الإيثار حين يتحول إلى وعي

كثيرون يستطيعون أن يحبوا.
وكثيرون يستطيعون أن يتعاطفوا.
لكن الحب حين يتحول إلى قرار ضد مصلحة الذات يبلغ مرتبة أخرى.
وهنا يتجلى الإيثار في أصفى صوره.
فالعباس (عليه السلام) لم يكن يملك فائضًا من الماء حتى يمنحه.
كان يملك شيئًا يحتاج إليه.
وهذا هو الفارق بين الكرم والإيثار.
الكرم أن تعطي مما تملك.
أما الإيثار فهو أن تقدم غيرك فيما أنت أحوج إليه.
ولهذا كان موقف العباس عند الفرات أكبر من أن يُختصر بكلمة «سقّاء».
فالساقي يحمل الماء، أما العباس فكان يحمل المعنى.
كان يحمل الماء في القربة، ويحمل في قلبه عهدًا لا يسمح لنفسه أن تنقضه.
سادسًا: القربة... حين يحمل الإنسان أمانته

لم تكن القربة في يد العباس (عليه السلام) شيئًا من جلد وماء.
لقد أصبحت في المشهد رمزًا للأمانة.
فمنذ اللحظة التي امتلأت فيها بالماء، لم يعد الماء ملكًا لظمئه، بل أصبح حقًا ينتظر أن يصل إلى مستحقيه.
وهنا تظهر قيمة أخرى في شخصيته:
الأمانة حتى في أشد لحظات الضعف.
كان يستطيع أن يأخذ جرعة، ثم يكمل الطريق.
لكن بعض النفوس لا تعرف أنصاف الوفاء.
إما أن تحمل الأمانة كاملة، أو لا تدعي أنها حملتها.
ولهذا ظل العباس (عليه السلام) في الذاكرة الحسينية رمزًا للوفاء؛ لأن الوفاء عنده لم يكن شعارًا يُقال، بل شيئًا يُدفع ثمنه من الجسد والدم.
سابعًا: العلقمي... المكان الذي صار ذاكرة

منذ ذلك اليوم لم يعد الفرات مجرد نهر.
ولم يعد العلقمي مجرد موضع جغرافي.
لقد تحول المكان إلى ذاكرة إنسانية تختصر مفارقة كربلاء كلها:
ماء كثير، وعطش كثير.
نهر يجري، وخيام عطشى.
قربة امتلأت، وقلوب تنتظر.
ورجل يستطيع أن يشرب، لكنه يختار أن يحمل الماء إلى غيره.
ولهذا بقي العلقمي حاضرًا في الوجدان؛ لأنه شهد لحظة لم يكن فيها الماء هو الغاية، بل كان الماء وسيلة لامتحان الإنسان.
ثامنًا: العباس... حين يصبح الجسد تابعًا للروح

في المواقف العادية يقود الجسد الإنسان إلى ما يحتاجه.
أما في المواقف الكبرى، فقد تقود الروح الجسد إلى ما لا يريده.
وهذا ما يكشفه موقف العباس (عليه السلام).
لقد كان الجسد عطشانًا، لكنه لم يكن قائدًا.
كانت الإرادة هي القائد.
وكانت العقيدة هي البوصلة.
وكان الحسين (عليه السلام) هو مركز الوفاء.
وهنا تبلغ السيكولوجية الفكرية للموقف أعمق صورها:
لم ينتصر العباس (عليه السلام) على العطش لأنه لم يشعر به، وإنما انتصر عليه لأنه لم يسمح له أن يحدد قراره.
تاسعًا: «هوني»... الكلمة التي تختصر مقامًا

ولعل أعمق ما في الخطاب المنسوب إلى العباس (عليه السلام) كلمة:
«هوني»
فهو لا يقول لنفسه: اختفي.
ولا يقول: لا تشعري.
وإنما يقول لها: هوني.
أي ضعي نفسك في موضعها أمام هذا المقام.
فالحسين (عليه السلام) ليس كأي أحد.
والعطش في خيامه ليس عطشًا عابرًا.
والوفاء له ليس اختيارًا ثانويًا.
وهنا نلمس جمال البناء الفكري في شخصية العباس؛ إذ إنه لم يحتج إلى أن يبحث طويلًا عن القرار.
كانت منظومته الداخلية قد حسمت الأمر قبل أن تصل يده إلى الماء.
عاشرًا: العباس ليس صورة للموت، بل صورة للحياة

قد يبدو للوهلة الأولى أن الحديث عن العباس عند العلقمي حديث عن الموت.
لكن القراءة الأعمق تقول شيئًا آخر.
إنه حديث عن الحياة بمعناها الأرفع.
فما قيمة أن يحفظ الإنسان جسده إذا خسر المعنى الذي عاش من أجله؟
وما قيمة النجاة إذا كانت على حساب الوفاء؟
وما قيمة الحياة إذا تحولت إلى خذلان؟
لقد اختار العباس (عليه السلام) أن تكون حياته منسجمة مع قيمته، وأن يكون موته امتدادًا لموقفه، لا نقيضًا له.
ولهذا لم ينتهِ العباس عند العلقمي.
سقط الجسد، وبقي الموقف.
خاتمة

إن الوقوف عند العلقمي ليس وقوفًا عند حادثة عطش، ولا عند رجل وصل إلى الماء ثم امتنع عن الشرب فحسب.
إنه وقوف عند إنسان اكتملت فيه صورة الوعي حين التقت الحاجة بالمبدأ، والتقت القدرة بالمسؤولية، والتقت الذات بالآخر.
لقد كان العباس (عليه السلام) قادرًا على أن يشرب، ولكنه لم يكن قادرًا على أن يخون ما آمن به.
وكان عطشه يطلب الماء، لكن وفاءه كان يطلب منه شيئًا آخر.
فاختار الوفاء.
ولذلك فإن أعظم ما في مشهد العلقمي ليس الماء الذي بقي في القربة، وإنما المعنى الذي بقي في التاريخ.
هناك، عند النهر، لم يكن العباس واقفًا أمام الماء وحده؛ كان واقفًا أمام نفسه.
وكان يستطيع أن يختار نفسه، لكنه اختار الحسين.
ومن هنا يمكن فهم سيكولوجية الفكر في موقفه:
إن الإنسان يبلغ ذروة سموه حين تصبح قيمه أقوى من حاجته، ويصبح وعيه بمبدئه أقوى من إغراء اللحظة، ويغدو الآخر في قلبه أعزّ من نفسه.
وهكذا ظل أبو الفضل العباس (عليه السلام) عند العلقمي ليس عطشانًا فحسب، وإنما شاهدًا خالدًا على أن بعض النفوس إذا امتلأت بالوفاء، صار الماء أمامها أقل قيمة من قطرة تسقي بها من تحب.


م.م. زهراء رسول تركي​



من مواضيع : صدى المهدي 0 هل نخاف من الله سبحانه وتعالى؟
0 سيكولوجية الفكر في موقف أبي الفضل العباس عند العلقمي
0 الاستفتاءات…من هم الذين يطلق عليهم الرحم؟
0 لوحات ذکری ولادة نبی الرحمة محمد (ص)
0 الزيارة بالنيابة(بذكرى ولادتهما المباركة)
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)



تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الشبكة: أحد مواقع المجموعة الشيعية للإعلام

الساعة الآن: 07:18 PM.

بحسب توقيت النجف الأشرف

Powered by vBulletin 3.8.14 by DRC © 2000 - 2026
جميع الحقوق محفوظة لـ منتديات أنا شيعـي العالمية


تصميم شبكة التصاميم الشيعية